Skip to main content

أينشتاين - العالم

كسوف تاريخيّ

في السابع من نوفمبر 1919 كتبت التايمز من لندن: "ثورة في العلم، نظريّة جديدة للكون، أفكار نيوتن سقطت."
التجربة وحدها كان بوسعها الحسم بين نظرية أينشطاين وبين نظرية نيوتن. كان هذا الكسوف على الدوام حدثًا مدهشًا ومثيرًا للانفعال، لكن ما حدث في صباح التاسع والعشرين من أيار 1919 كان فريدًا من نوعه: فقد اختتم الشكل الذي رأى فيه اسحاق نيوتن، بواسطة قوّة الجاذبيّة، حركة الأجرام السماويّة في الكون. إن خيالات الكواكب المعروفة أثبتت ما تنبّأت به نظرية النسبية العامة التي وضعها أينشطاين: كتلة الشمس تؤدّي إلى انحناء الزّمن – المكان نفسه في محيطه. نتيجة لذلك، فإن أشعّة الضوء الواصلة من كواكب بعيدة تنحرف بمحاذاة الشمس، وفي فترة كسوف الشمس تظهر هذه الكواكب على قبّة الفضاء في أماكن مختلفة غير ما هو متوقع. لم يعد يُنظر إلى الفضاء على أنه "مسرح خامل" تتحرّك فيه الأجرام السماوية، بل هو فضاء – زمن ديناميّ، ينحني بوجود كتل ويحدّد جميع مسارات الحركة فيه، بما في ذلك مسارات أشعّة الضوء. إنّ حركة الكرة الأرضية حول الشمس، أيضًا، تعكس صفة الكون هذه.

جائزة نوبل

إذا اعتقدتم أن أينشطاين حاز جائزة نوبل بفضل نظريّته النسبية، فإنكم مخطئون. صحيح أنّ هذه النظريّة حظيت بتقدير كبير، لكنّ لجنة الجائزة لم تكتفِ بذلك، بل طلبت أدلة تجريبيّة تثبت الاستنتاجات النظريّة. لقد تمّ منح جائزة نوبل لسنة 1921 لأينشطاين (لقد حوّل مبلغ الجائزة إلى طليقته ميلفا) "على ما قدّمه للفيزياء النظريّة، وخصوصًا على اكتشافه "قانون الأثر الفوتوني الكهربائي" – انبعاث إلكترونات من المعدن بسبب الضوء الواقع عليه. يتأسّس تفسير أينشطاين على أنّ الضوء يبتلع في المعجن كمجموعة جزيئات تسمّى فوتونات، والمثير أنه هنا بالذات، وخلافًا لمواضيع مثل الزمن، الفضاء والجاذبية، كانت وجهة نظر أينشطاين قريبة من وجهة نظر نيوتن.   

رؤيا أينشطاين

هل تعلمون أنّ الضوء – كلّ ضوء، بما في ذلك المنبعث من شمعة مشتعلة، ليس إلا ظاهرة كهربائيّة ومغناطيسية؟ فحقيقة أن الكهرباء، المغناطيسية والضوء هي ظواهر قابلة للوصف الموحّد، وهي حقيقة اكتشفت بعد فترة غير طويلة على ولادة أينشطاين، أثارت انفعاله بشكل كبير. لقد بحث أينشطاين دومًا عن إمكانية توحيد أوصاف مختلفة للطبيعة. وكعالم ناشط، واصل هذا البحث بطريقته المستقلّة حتى أواخر حياته. فقد كرّس السنوات العشرين الأخيرة من حياته لمجهود البحث عن وصف واحد، "نظرية موحّدة كبيرة" لجميع قوى الطبيعة ولجميع الظواهر الفيزيائية بكلّ الأحجام – من الجزيء تحت النووي الأصغر وحتى الكون بأكمله، لكن دون جدوى. على الرّغم من هذا الفشل، فإنّ رؤيا أينشطاين لا تزال تشكل موجّهًا لفيزيائيين في أرجاء العالم، وفي إسرائيل، أيضًا. إنّ البحث عن نظريّة توحّد قوى الطبيعة هو أحد المواضيع "الأكثر سخونة" في الفيزياء المعاصرة، بل إنه شهد عددًا من النّجاحات.

 

الزمن

خدمة القطارات في سويسرا، مثل الساعات التي تصنع هناك، معروفة بدقتها – لكن أينشطاين شكك في هذا، أيضًا. فعلى السؤال الشائع "كم السّاعة؟" أجاب أينشطاين بجدّية كبيرة في مقال شهير صاغ فيه نظريّة النسبية الخاصة: "حين أقول إن القطار يصل إلى هنا الساعة 7، فإنني أقصد شيئًا من قبيل أن وصول إشارة العقرب الصغير في ساعتي إلى المنزلة 7 ووصول القطار، هما حدثان متزامنان".
من النادر العثور في الأدبيّات العلمية المهنية على مقالات تُستهلّ بسؤال إلى هذه الدرجة من اليوميّة وتصف بلغة بسيطة موجّهة للجميع أسس الفكرة التي يتناولها المقال. يبدو أن الحديث يتناول سؤالا بسيطًا جدًّا، كان يمكن، على الأرجح، لكلّ واحد أن يتناوله!
توصّل أينشطاين إلى مسألة جوهر الزمن استنادًا إلى إقراره أنّ سرعة الضوء لها قيمة متماثلة قياسًا بجميع المشاهدين الذين يقيسونها وهي غير متعلقة بحركة مصدر الضوء بالنسبة لأولئك المشاهين. لقد قاد هذا الأمر أينشطاين إلى الاستنتاج الثوريّ، الذي كان على النقيض التامّ من استنتاج نيوتن، وهو أنّ قياسات الطول والزمن ليست مطلقة، بل متعلقة بسرعة الحركة النسبية للمساطر والساعات (مثل "ساعة الضوء" التي في المعرض). من هنا، توصّل أينشطاين إلى الاستنتاج بأنّ ساعة المسافر في القطار (إذا كان يتحرّك بسرعة قريبة من سرعة الضوء) ستتخلف وراء الشخص الموجود في الرّصيف حتى لو دققا الوقت معًا بعد ذلك.
الكثير من التجارب يؤكد ادّعاء أينشطاين بخصوص ثبات سرعة الضوء، وكذلك الاستنتاجات بخصوص نسبية الزمن والطول. فالتجربة التي أجراها، على سبيل المثال، مايكلسون ومورلي (تجربة يجسّدها "تمثال الضوء" في المعرض) لقياس حركة الكرة الأرضية قياسًا بـ"موقع" – الهامش الذي تتحرّك أمواج الضوء فيه وفقًا للفرضية – بيّنت أنه لا يوجد فرق في سرعة الضوء التي يتمّ قياسها في اتجاهات مختلفة. لقد توافقت هذه النتيجة تمامًا مع مبادئ نظريّة النسبيّة الخاصّة. ويتبيّن من نسبيّة الزمن وجود نتيجة غريبة ولافتة تسمّى "مفارقة التوأمين": لو جعلنا توأمًا واحدًا من بين توأمين يطير بسرعة هائلة إلى مسافة بعيدة، فعندما يعود سيكون أكثر شبابًا من أخيه التوأم الذي ظلّ على الكرة الأرضيّة! حتى هذا الاستنتاج الغريب تمّ إثباته في التجربة التي تمّ فيها فصل ساعتين نوويّتين دقيقتين جدًّا ومتزامنتين: وضعت الأولى على طائرة وحين عادت تبيّن أنها متخلفة قليلا مقارنةً بالساعة التي بقيت على الأرض.

 

الضّوء

هل الضّوء هو ظاهرة موجيّة أم جزيئيّة؟ آمن نيوتن بالإمكانية الثانية لكن سلسلة من التجارب، مثل انتقال الضوء عبر شقين صغيرين، أشارت إلى أنّ الضوء يتقدّم في الفضاء كموجة – وتمّ العزوف عن وجهة نظر نيوتن.
أينشطاينلم يتقبّل ذلك. فقد بيّن أنه لا يمكن أن نفسّر بواسطة الأمواج نتائج تجارب معيّنة تمّ فيها فحص تأثير الضوء على المادّة، وأنّ تفسير هذه الظاهرة يجب أن يفترض بأنّ الضوء يُبتلع بالمادة ويخرج منها كجزيئات من الطاقة – فوتونات. هكذا نجح أينشطاين في تفسير الأثر الفوتوني الكهربائي – انبعاث إلكترونات من معدن بسبب ضوء يصطدم به. على هذا الإنجاز حاز أينشطاين جائزة نوبل. من المهمّ الإشارة إلى أنّ استنتاجات أينشطاين لم تلغ تمامًا فرضيّة سلوك الضوء كأمواج، ويتمّ النظر إليه على أنه ذو طابع ثنائيّ – أمواج وجزيئات.
كان توجّه أينشطاين بخصوص الطابع الجزيئي للضوء أحد المداميك الأولى لإيجاد فيزياء جديدة – النظرية الكميّة، النظرية المتعارف عليها بين الفيزيائيين حتى اليوم لوصف الإشعاع والمادة. لكن، هنا تكمن إحدى القصص المثيرة في سيرة حياة أينشطاين: رغم أنه كان من بين واضعي أسس النظرية الكمّيّة وقد حاز جائزة نوبل عمليًّا على هذه المساهمة، فقد رفض قبول استنتاجاتها مثلما قام بتطويرها مَن جاءوا بعده. وفقًا للنظريّة الكميّة، لكلّ تجربة عدد كبير من النتائج المُمكنة، ويمكن فقط حساب احتمال قبول واحدة منها، لكن لا يمكن الإقرار بشكل مؤكد أيّة نتيجة ستُقبل فعلا. لقد عارض أينشطاين هذه الفكرة بكلّ قوّته، وخلال نقاش شهير مع الفيزيائي الدنماركي الشهير نيلس بوهر، عبر بلغته الصوريّة عن غضبه وقال "أتظنّ أنّ الله يلعب بالنرد؟".
واصل أينشطاين التعبير عن أفكاره المستقلة حتى لو كان موقفه مناقضًا لما هو مقبول لدى كثيرين، لكن لم يحدث أبدًا أنه استغلّ مكانته لإلقاء الظلّ أو الخوف على علماء شبّان جاءوا من بعده. فقد واصل جدالاته الصّاخبة معهم على قدم المساواة.

 

الطاقة

هل يمكن التحرّك بما يفوق سرعة الضوء؟ وفقًا لقوانين نيوتن، عندما ندفع بكرة فإنّ سرعتها ستتزايد. لماذا لا يمكننا الاستمرار في هذه العملية بقدر ما نشاء إلى أن تتجاوز سرعة الكرة سرعة الضوء؟ بيّن أينشطاين أنّ هذا الأمر مستحيل، لأنّ الطاقة المبذولة في تسريع الكرة تتجسّد، أيضًا، في زيادة كتلتها، ولذلك يجب أن نزيد، بالتناسب، القوّة المطلوبة للحفاظ على تسارع الكرة. في نهاية الأمر، هناك حاجة إلى طاقة لا نهائيّة من أجل جعل الكرة تتحرّك بسرعة الضّوء. على أساس العلاقة بين الطاقة والكتلة، أظهر أينشطاين أن الجسم وهو في حالة سكون أيضًا يمكن أن ننسب إليه طاقة بحسب المعادلة الشهيرةE=mc2 في حين أنّE هي الطاقة،m هي كتلة الجسم السّاكن وcهي سرعة الضّوء. رغم أنّ معادلة أينشطاين لم تشكّل وصفة لصناعة القنابل، فقد فسّرت كميّة الطاقة المنبعثة خلال عملية الانشطار النوويّ.

 

الجاذبيّة

لماذا تسقط الأجسام باتجاه الأرض؟ لماذا تتحرّك الكواكب السيّارة حول الشمس؟ استنتج العالم الكبير إسحق نيوتن من حركة الكواكب السيّارة حول الشمس أنّ هناك قوّة جاذبيّة بين كلّ جسمين لهما كتلة تحدّد، في غياب قوى أخرى، شكل حركتها. في المقابل، أظهر أينشطاين في نظرية النسبية العامة أن مسارات الحركة في الفضاء تحدّدها هندسة الزمن – الفضاء، أي درجة الانحناء في أماكن مختلفة. تتحدّد درجة الانحناء هذه بواسطة كتلة الأجسام التي تحتلّ الفضاء. وهكذا، بما أنّ الضوء لا يمكنه "الخروج من الفضاء"، فإنّ مساره أيضًا يُحدّد بواسطة الزمن – الفضاء الذي يتحرّك فيه. لقد حسب أينشطاين درجة انحناء الزمن – الفضاء حول الشمس والانحراف المتوقع لاشعة الضوء التي تمرّ بجانبها. تمّ قياس هذا الانحراف خلال كسوف الشمس وتبيّن أنه يتلاءم بدقة كبيرة مع القيمة التي حسبها أينشطاين – أكثر بمرّتين من القيمة التي تمّ حسابها بموجب نظريّة الجاذبيّة لدى نيوتن.
نظريّة النسبية العامة لدى أينشطاين تتنبّأ بأنه قد تكون هناك كواكب ذات كتلة كبيرة إلى حدّ أنّ انحناء الفضاء حولها لا يسمح حتى للضوء، الذي لا يوجد جسم قادر على التحرّك أسرع منه، بالخروج منها. هذه الأجسام تسمّى "الثقوب السوداء"، لأنّ المادّة أو الإشعاع يمكنهما الوصول إليها لكن لا ينبعث منها شيء.

 
 
Date Created: 19/03/13
Date Updated: 07/04/13