Skip to main content

مشروع الدّماغ الأزرق


 




    مشروع الدّماغ الأزرق
    بناء محاكاة محوسبة للشّبكات العصبيّة في الدّماغ




مجموعة البحث
رئيس المشروع: البروفيسور هنري ماركرم، معهد EPFL، لوزان، سويسرا
إسرائيل: البروفيسور عيدان سيغيف، شاؤول دروكمان، ألبرت غدعون وزملاؤهم
المركز المتعدّد المجالات للحسابات العصبيّة، الجامعة العبريّة، القدس
سويسرا: د. فليكس شفارمان، د. شون هيل وزملاؤهما، معهد EPFL، لوزان

خلفيّة
يوجد في أدمغتنا 1011 عصبونات (خلايا عصبيّة). لو كان لكلّ إنسان يعيش اليوم على الكرة الأرضية 100 ابن، لكان عدد الأشخاص في العالم مشابه لعدد العصبونات في الدّماغ الواحد! إنّ قشرة الدّماغ (cortex)، تلك النّسيج المنحني والرّقيق (الذي يصل سمكه إلى ميليمترين اثنين) الموجود تحت الجمجمة، هي المسؤولة عن أرفع الوظائف الدّماغيّة. هذا النّسيج متطوّر جدًّا لدى الثّديّات المتطوّرة. وتشير الأدلّة التّجريبيّة إلى أنّ قشرة الدّماغ مرتّبة في شبكة من الأعمدة (حجم كلّ عمود فيها هو ميليمتر مكعّب تقريبًا). في كلّ عمود كهذا في قشرة الدّماغ، يوجد ما بين عشرة آلاف ومئة ألف خليّة، تترابط فيما بينها بما يعادل مليار رابط. كما تشير الأدلّة إلى أنّ لكلّ عمود كهذا هناك وظيفة حسابيّة محدّدة، مثل معالجة المعلومات القادمة من شعرة معيّنة في شارب الجرذ أو تمييز خطوط بزوايا معيّنة (45 درجة، مثلا) في الجهاز البصري. تفيد الفرضيّة الأساسيّة اليوم أنّ كل عمود قشري كهذا يشكّل وحدة حسابيّة عامّة وأساسيّة في قشرة الدّماغ.


أعمدة في قشرة الدّماغ

تبحث التّوجّهات الحسابيّة في مجال بحث الدّماغ، من جملة الأمور، عمليّة معالجة المعلومات في شبكات العصبونات. في العقود الأخيرة، أُحرز تقدّم في فهم الطّريقة التي يقوم فيها العصبون الواحد - وهو وحدة المعالجة الأساسيّة في الدّماغ - بإنجاز عمليّاته الحسابيّة. تمكّن المحاكاة المحوسبة للعصبونات الباحثين من وصف النّشاط الكهربائي والحسابي الذي يجري في عصبون واحد بصورة مفصّلة.


نموذج ثلاثي الأبعاد لعصبون في قشرة الدّماغ، تمّت إعادة بنائه من قياسات مجهريّة

على الرغم من ذلك، تمّ وصف النّشاط الشّامل للشّبكات العصبيّة الكبيرة حتّى الآن بصورة في غاية التبسيط، حيث يتم تجاهل عدد كبير من التّفاصيل البيولوجيّة، مثل المبنى المفصّل للعصبون الواحد ومواقع الرّوابط المشبكيّة على طول العصبون. أحد أسباب إهمال هذه العوامل هو غياب الموارد الحسابيّة اللازمة لحل المعادلات الرّياضيّة الهائلة التي تساهم في وصف نشاط الشّبكة.

يأمل مشروع "الدّماغ الأزرق" أن يسد هذه الثّغرة وأن يطرح طريقة منهجيّة لبناء نماذج مفصّلة وكاملة للدّماغ الكامل، بدءًا بعمود قشري واحد!

أسئلة البحث
 

  1. هل توجد لدينا معلومات كافية لإعادة بناء النّشاط الكهربائي المعقّد في شبكة كبيرة من العصبونات في قشرة الدّماغ؟ ما الذي ينقصنا من المعرفة للقيام بذلك؟
  2. كيف تنعكس العلاقة المتبادلة بين مكوّنات الشّبكة المختلفة (مثل، أنواع الخلايا المختلفة، مبنى التّرابطات في الشّبطة، نوع التّرابطات - استثاريّة أم تثبيطيّة)  وبين النّشاط الكهربائي الكلّي للشّبطة؟
  3. هل نستطيع أن نعزو الفروق التي نشاهدها بين نشاط دماغي طبيعي ونشاط في دماغ مريض لعوامل سببيّة محدّدة، مثل روابط غير مناسبة في الشّبكة العصبيّة او فائض حسّاسيّة كهربائيّة لدى خلايا من نوع معيّن؟

وسائل البحث
أصبح بناء محاكاة محوسبة مفصّلة لميليمتر مكعّب من قشرة الدّماغ لدى الثّديّات أمرًا ممكنًا بفضل الخاسوب الخارق من نوع IBM BlueGene/Lالذي يحتوي على ما يزيد عن 8000 معالج (processor) تعمل بالتّوازي. تتيح لنا القدرة الحسابيّة الخارقة الكامنة في هذا الحاسوب القيام بحسابات قد تستغرق عدّة سنوات في الحواسيب العاديّة خلال يوم واحد. في حاسوب "الدّماغ الأزرق" كلّ معالج يمثّل، بشكل رياضيّ، النّشاط الكهربائي لعصبون واحد. يمكّننا هذا من محاكاة شبكة عصبونات تحتوي على حوالي عشرة آلاف عصبون في آن واحد، حيث ترتبط هذه العصبونات بعضها ببعض بعشرة مليارات رابط.



قد يكون التّحدي الحسابيّ المباشر هو محاكاة الشّبكة المعقّدة - نوع من "رحلة إلى العمود القشري" - لكنّ خلق النّموذج بحد ذاته وتعييره وفقًا للنّتائج التّجريبيّة يشكّلان تحدّيًا بحدّ ذاتهما. لهذا الغرض، تمّ تطوير إطار لبرنامج مدمج، يتيح لنا تعيير النّماذح وفق النّتائج التّجريبيّة بشكل تلقائي. من ثمّ، في الإمكان إجراء التّجارب المحوسبة ومقارنتها مع التّجارب الأصليّة. وهكذا، من خلال المقارنة بين أداء النّموذج المحوسب وبين السّلوك الكهربائي للعمود القشري الحقيقي في الحيوان، يستطيع العلماء أن يفهموا بشكل أفضل كيف ينفّذ العمود وظائفه - كيف يحسب، ويتعلّم، ويمثّل العالم من حولنا.


إعادة بناء أحد الأعمدة في قشرة الدّماغ

النّموذج
يتم بناء النّماذج بموجب المعطيات التي تمّ جمعها على مدار ما يزيد عن عقد من الزّمن في مختبرات البروفيسور هنري ماركرام وزملائه الباحثين. هذه المعطيات هي، بمعظمها، تسجيلات للنشاطات الكهربائيّة لخلايا منفردة في القشرة الحسّيّة الجسديّة (somatosensory) في دماغ جرذ، وعمليّات إعادة بناء الخلايا وروابطها بشكل ثلاثي الأبعاد. يسمح لنا هذا الجهاز ببناء نموذج لعمود قشري واحد أو أكثر، ومحاكاة نشاطاتها بمختلف الظروف وبيان النتائج بوسائل بصريّة ثلاثيّة الأبعاد. يمكننا وصف النّشاطات على عدّة أصعدة - من سلوك القنوات الأيونيّة المنفردة التي نجدها في غلاف الخليّة، وإلى صعيد الخليّة المنفردة وحتّى صعيد الشّبكة ككل.

أهمّيّة البحث
إنّ عدد الأبحاث التي تُعنى بالفروق ما بين النّشاطات في الدّماغ المعافى والدّماغ المريض آخذ بالازدياد في السّنوات الأخيرة. إنّنا لا نرى الفروق على المستوى البنيوي إلا نادرًا، كما إنّه من الصّعب جدًّا الفصل بين المسبّب الرّئيسي لحالة مرضيّة ما وبين التّأثيرات الجانبيّة وآليّات التّعويض. أمّا في النّموذج الذي نستخدمه، فيمكننا فحص الفروق، كلا على حدة، كي نحاول أن نفهم ما هو المسبّب الأساسي. علاوة على ذلك، يمكننا أيضًا فحص تأثير العلاجات الممكنة بواسطة محاكاة تأثيراتها على الشّبكة العصبيّة التي في النّموذج.

نقاش واستنتاجات
لقد أظهر مشروع "الدّماغ الأزرق" أنّ في الإمكان دمج المعلومات التّجريبيّة التي لدينا عن مبنى الشّبكة وعن خواصها الكهربائيّة بواسطة نموذج محوسب مفصّل. كلّما تكدّست معلومات تجريبيّة أكثر، نستطيع تحديث النّموذج ومحاكاة النّشاط الحقيقي للدّماغ بطريقة أفضل. تتطلّب هذه العمليّة تنسيقًا دقيقًا ما بين عمل النّموذج والنّتائج التّجريبيّة. كما سيقوم النّموذج بتنبّؤ سلوك العوامل المسؤولة عن نشاط الشّبكة ككل، وفي أعقاب هذه التّنبؤات، سوف يتم إجراء تجارب جديدة وإحراز تقدّم في طريقة فهم النّشاط الجاري في الدّماغ المعافى والمريض على حدّ سواء.

لا تزال الطريق طويلة حتّى نستطيع بناء نموذج يحاكي الدّماغ كلّه، لكنّ ثمّة حواسيب خارقة جديدة قيد البناء، وستسمح الجهود التّجريبيّة والتّكنولوجيّة الكثيفة التي تقوم بها مختبرات عديدة حول العالم بالاقتراب أكثر من تحقيق هذا الهدف المنشود.

المزيد عن...
وسائل البحث- هناك أهمّيّة كبرى للأجهزة والوسائل المتوافرة لاستخدام العلماء في تحديد نوع الأسئلة التي يستطيع العلماء مواجهتها. في أحيان عديدة، تتمكّن المختبرات التي تملك أجهزة متطوّرة من بحث أسئلة لا تستطيع المختبرات ذات الأجهزة البسيطة معالجتها. في مجال بحث الدّماغ، على سبيل المثال، توجد أجهزة لتصوير النّشاط الدّماغي تسمح لنا "بإلقاء نظرة" على الدّماغ بطريقة لا توفّرها لنا التّجارب الإدراكيّة. وفي مجال الأبحاث النّظريّة، تسمح لنا أجهزة الحواسيب المتطوّرة ببناء نماذج محوسبة لمنظومات ديناميّة ومعقّدة لا يمكننا بحثها باستخدام ورقة وقلم أو بواسطة حاسوب بسيط. في المشاريع المعقّدة بشكل خاص، تلك التي تتطلّب ميزانيّات طائلة، هناك حاجة لتعاون عدّة مختبرات معًا. إنّ مشروع "الدّماغ الأزرق" هو مثال على مشروع كهذا. مع ذلك، إنّ الأجهزة المتقدّمة لا تضمن النّجاح، وعلى الباحثين تخطيط وسائل البحث بمهارة كي يتمكّنوا من استغلال الموارد المتوافرة لديهم على أفضل وجه. أحيانًا، يحفّز وجود وسائل محدودة الإبداع ويؤدّي إلى قفزات مهمّة.

Date Created: 04/03/13
Date Updated: 05/03/13