Skip to main content

استثارة مغناطيسيّة في عمق الدّماغ

   استثارة مغناطيسيّة في عمق الدّماغ

   علاج تجريبي للاكتئاب

 


مجموعة البحث:
د. أفراهام تسينغن، معهد وايزمان للعلوم
د. يفتاح روط، شركة Brainsway


خلفيّة

يُعتبر الاكتئاب الحاد والمتواصل اضطرابًا نفسيًّا صعبًا يمسّ بحياة الملايين من الأشخاص.
تتم معالجة غالبيّة المصابين بالاكتئاب بواسطة العلاج النّفسي، والعلاج بالأدوية، أو الدّمج بين الاثنين. لكن، هنالك العديد من المرضى الذين لا تحسّن هذه العلاجات وضعهم. لقد تمّت معالجة المرضى حتّى اليوم بواسطة صدمات كهربائية ("electric shock")، وهي طريقة خلافية تستدعي التّخدير.
خلال السّنوات الأخيرة تمّ تطوير أجهزة تتيح استثارة الدّماغ مغناطيسيًّا عبر الجمجمة، بواسطة طريقة تُدعى TMSأو  باسمها الكامل: Trans-cranial magnetic stimulation. إنّ استثارة الدّماغ مغناطيسيًّا هي وسيلة غير باضعة (non-invasive) ولا تستدعي التّخدير. لذا، تحاول عدّة مجموعات بحث مختلفة استخدام هذه الطّريقة لعلاج الاضطرابات النّفسيّة والعصبيّة.
أحد القيود التي تحدّ من عمل معظم أجهزة الـ TMSهو المدى الحيّزي لتأثيرها، والذي يصل غالبًا إلى عمق سنتيمترين على الأكثر داخل الدّماغ. لذا، فإنّ هذه الأجهزة غير ناجعة لاستثارة مناطق موجودة في باطن قشرة الدّماغ أو تحتها، بما فيها من مناطق مرتبطة بالمشاعر وباللّذة وبالتّعزيز. إنّ القدرة على استثارة الدّماغ مغناطيسيًّا في مناطقه العميقة هي ثمرة تطوير إسرائيليّة حديثة حصلت من خلال التّعاون المتواصل بين معهد وايزمان للعلوم وشركة brainsway. يصل مدى تأثير الجهاز الذي قام الباحثون بتطويره إلى ما بين خمسة وستّة سنتيمترات داخل الدّماغ. تمّ التطوير التّكنولوجي من خلال الدّمج بين التّجارب التي أُجريت على الحيوانات وبين التّجارب الإكلينيكيّة في المستشفيات النفسيّة.
خرائط حدّة واتّجاه الحقول الكهربائيّة في نموذج لدماغ يستجيب لاستثارة مغنطيسيّة.
تظهر كلّ صورة سلسلة من المقاطع العرضيّة الأفقيّة التي يبعد فيها الواحد عن الآخر مسافة سنتيمتر واحد. يشير اللّون إلى شدّة التّيار (أبيض - أصفر. أحمر - شدّة تيار كافية لتشغيل الخلايا في الدّماغ).


خريطة الاستجابة للاستثارة بواسطة ملفّ الـ TMSالعادي (شكله يشبه العدد 8).


خرائط الاستجابة للاستثارة بواسطة ملفّ TMSعميق. يمكننا أن نلاحظ أنّ الاستثارة شديدة بما فيه الكفاية (لون أحمر) حتّى بعمق يزيد عن أربعة سنتيمترات داخل الجمجمة.

سؤال البحث:
هل يساعد العلاج بواسطة الاستثارة المغناطيسيّة في عمق الدّماغ الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب؟
إذا كان العلاج يؤدّي إلى نتائج جيّدة، فما هي شدّة الاستجابة، وكم من الوقت يمضي قبل ظهورها وكم من الوقت تدوم؟

وسائل البحث:
للإجابة عن هذا السّؤال، أٌجريت تجربة في المستشفى النّفسي "شلافتا" والتي فحصنا فيها تأثير العلاج بالاستثارة المغناطيسيّة العميقة على مفحوصين يعانون من اكتئاب لا  يستجيب للعلاج بالأدوية. تجدر الإشارة إلى أنّنا، وقبل إجراء هذه التّجربة، قمنا بإجراء تجربتين سابقتين فحصتا مدى أمان استخدام هذا الجهاز واحتمال ظهور العوارض الجانبيّة المعرفيّة والشّعوريّة. فحصنا، بداية، أمان استخدام الجهاز على الحيوانات، وفقط بعد أن أثبت الجهاز أمانه قمنا بتجريبه على مجموعة من الأشخاص المعافين.
في نطاق هذا البحث حصل كلّ معالَج على استثارة مغناطيسيّة خمس مرّات كلّ أسبوع، وعلى مدار أربعة أسابيع.
لفحص تأثير العلاج قام الطّبيب بتصنيف كلّ معالَج بواسطة استمارة اكتئاب معياريّة وموحّدة قام كلّ معالج بتعبئتها بعد مقابلة أُجريت مرّة كلّ عدّة أيّام (كلّما كانت علامة التّصنيف أعلى، كان الاكتئاب أكثر حدّة). بالإضافة إلى ذلك، طُلب من المعالَجين في الاستمارات المعياريّة أن يخبرونا عن أحاسيسهم.


نتائج البحث

  • كانت النّتائج مشجّعة: ظهر لدى حوالي نصف عدد المعالَجين هبوط بمقدار %50 أو أكثر في "سلّم الاكتئاب"، وفقط لدى %8 من المُعالجين لم يطرأ تحسّن.
  • لقد لوحظ تأثير العلاج لدى معظم المعالجين بعد 7 - 10 أيّام علاج، كما دام تأثير العلاج حتّى أسبوع بعد وقف العلاج.
  • بالنّسبة لغالبية المعالجين الذين لم يستجيبوا للعلاج، فإنّ وضعهم لم يزددْ سوءًا حتّى في الفحص الذي أُجري لهم بعد مرور 3 أشهر على وقف العلاج.
  • لم يبلغ المعالجون عن أيّ عوارض جانبيّة ولم يظهروا أمارات إدمان.

 

نقاش واستنتاجات
قمنا في هذا البحث باستخدام تكنولوجيا حديثة لمعالجة الاكتئاب الحاد غير المستجيب للأدوية. كانت القفزة العلميّة التي قام بها العلماء هي توسيع مدى الاستثارة وحصره في المناطق الباطنيّة في الدّماغ المرتبطة باضطرابات الاكتئاب.
مع أنّ هذه النّتائج مشجّعة جدًّا، فما زالت طريق طويلة أمامنا لجعل هذا العلاج التّجريبي جزءًا لا يتجزّأ من وسائل علاج الاكتئاب المتعارف عليها. فعلى سبيل المثال، نحن بحاجة إلى بحث إضافي حول تأثيرات العلاج على المدى البعيد.
يأمل مطوّرو الوسيلة أنّ استخدام هذه الوسيلة، مع إجراء بعض التّعديلات على أشكال الملفّات، قد يساعد على معالجة مختلف أنواع الاضطرابات عدا الاكتئاب، والتي بحاجة هي الأخرى إلى إمكانيّة استثارة الأماكن الباطنيّة في الدّماغ، مثل: الإدمان على المخدّرات، البدانة، داء الباركنسون، والألتسهايمر وغيرها، وقد بدأت الأبحاث الأوّليّة في هذه المجالات.
 


أهمّيّة البحث
يوجد للقفزة التي أُحرزت في مجال معالجة الاكتئاب أهمّيّة كبرى بالنّسبة لحياة ملايين المرضى الذين يعانون من هذا المرض، وخاصّة بالنّسبة لأولئك الذين لا يستجيبون للعلاجات المتوافرة أو الذين يتجنّبون تلقّي العلاج. لن يساهم العلاج النّاجع للاكتئاب في تحسين جودة الحياة بشكل ملحوظ فحسب، وإنّما قد يؤدّي في بعض الحالات إلى إنقاذ حياة الأشخاص، نظرًا إلى النّسب المرتفعة لمحاولات الانتحار لدى الأشخاص المصابين بحالات اكتئاب حادّة.
إنّ نجاح علاج الاكتئاب بواسطة الاستثارة المغناطيسيّة سيشكّل نموذجًا لتطوير علاجات دون الحاجة إلى إجراء عمليّات أو تلقّي أدوية للعديد من الاضطرابات العصبيّة والنّفسيّة التي نستطيع فيها تحديد المنطقة المصابة في الدّماغ.
 
المزيد عن ...
أهمّيّة البحث - في الأبحاث العلمية، نميّز عادة بين الأبحاث الأساسيّة والأبحاث التّطبيقيّة. تعنى الأبحاث الأساسيّة بتوسيع رقعتنا المعرفيّة حول العالم (ومن ضمنها المعرفة عنّا نحن، بني البشر). أمّا الأبحاث التّطبيقيّة فتهدف إلى استخدام المعلومات المتراكمة لحل مسائل ما زالت تواجهها البشريّة أو لتحسين جودة الحياة. على سبيل المثال، تعنى الأبحاث التّطبيقيّة في مجال الطّب بتطوير أدوية وتكنولوجيّات حديثة لمعالجة مختلف الأمراض والاضطرابات. وتعنى الأبحاث التّطبيقيّة في مجالات الهندسة والفيزياء بتطوير الموادّ، والأجهزة والبرامج المحوسبة. تهدف هذه التّطويرات إلى دفع عمليّة الصّناعة والزّراعة قدمًا، وإلى تعزيز وتحسين وسائل النّقل ووسائل الاتّصال، وتطوير نشاطات وقت الفراغ وغيرها. إنّ الأبحاث التّطبيقيّة موجودة أيضًا في مجال العلوم الاجتماعيّة - على سبيل المثال، في عمليّة تطوير برامج التّدريس، ووسائل التّصنيف وغيرها. تشكّل الأبحاث التّطبيقيّة جزءًا صغيرًا فقط من مجمل نشاطات الأبحاث.
ترتبط العلوم الأساسيّة والتّطبيقيّة بعضها ببعض ارتباطًا قويًّا. فلكي نستطيع إيجاد حلول علميّة تطبيقيّة لأكثر المسائل أهمّيّة نحن بحاجة إلى قاعدة أساسيّة واسعة من العلوم الأساسيّة. على سبيل المثال، كي نتمكّن من تطوير أدوية ناجعة لمرض السّرطان، علينا أن نعرف المزيد عن سلوك جهاز المناعة لدى الشّخص المعافى ولدى الشّخص المريض. كما سترون بأنفسكم في المعرض، فإنّ الأبحاث الذي تجرى لبحث أسئلة نظريّة أساسيّة تؤدّي في الكثير من الأحيان (وأحيانًا بمحض الصّدفة) إلى قفزات هامّة في مجال الأبحاث التّطبيقيّة.

Date Created: 28/02/13
Date Updated: 05/03/13