Skip to main content

"إنّك تبدين لي مألوفة"...




 
     "إنّك تبدين لي مألوفة"...

     الآليّات العصبيّة التي تساهم في التّعرف إلى الوجوه البشريّة



الباحثة: إيلانا تسيون-غولومبيك
مرشد البحث: البروفيسور شلومو بنطين
كلّية علم النّفس وقسم العلوم المعرفيّة، الجامعة العبريّة في القدس
تمّ إجراء البحث في نطاق رسالة الدّكتوراة التي أعدّتها إيلانا تسيون-غولومبيك بين السّنوات 2005 - 2007
 


سؤال البحث
ما هي الآليّات العصبيّة المسؤولة عن قدرتنا الفريدة على التعرّف إلى الوجوه؟

وسائل البحث
خلال البحث استخدمنا وسيلة لقياس النشاط الكهربائي في الدماغ - Electroencephalography- أو EEGباختصار. تقوم الأقطاب الكهربائيّة الموضوعة على رأس المفحوص بالتقاط الحقل الكهربائي الذي تنتجه نشاطات عشرات آلاف العصبونات الموجودة في قشرة الدّماغ.

إنّ الإشارة الكهربائيّة التي نحصل عليها بهذه الطّريقة معقّدة، ويمكننا استخلاص معلومات حول مختلف أنواع النّشاطات الدّماغيّة. لقد قمنا، في نطاق هذا البحث، بالتّركيز على مقياسين من مقاييس النّشاط الدّماغي:

1. مكوّن الـ 170N:
عبارة عن ردّة فعل دماغيّة معروفة يمكن قياسها بواسطة الـ EEG، وهي تظهر بين 100 و200 ميليثانية (جزء من الألف من الثّانية) بعد الاستثارة. يتم توليد هذا المكوّن في الأقسام الجانبيّة - الخلفيّة للدماغ (خاصّة القسم الأيمن).
في أبحاث سابقة رأينا أنّ مكوّن الـ 170Nيكون أكبر إذا كانت الاستثارة عبارة عن وجه مقارنة مع استثارات أخرى.
نتيجة أ: مكوّن الـ 170Nيعكس نشاطًا دماغيًّا مميّزًا لمعالجة الوجوه.



كما رأينا في الماضي، فإنّ مكوّن الـ 170Nيتشابه في حالتي الوجوه البشريّة ووجوه القردة.
النتيجة ب: مع أنّ مكوّن الـ 170Nيميّز الوجوه، إلا أنّه لا يفسّر وحده قدرتنا الفريدة على التّعرف إلى الوجوه.
 
2. النشاط في مجال التردّدات المرتفعة المسمّى "مجال غاما":
لقد أظهرت أبحاث سابقة أنّ النّشاطات الدّماغيّة في مجال التّردّدات المسمّى "غاما" موجودة في العديد من المهامّ المعرفيّة "رفيعة المستوى"، مثل الإدراك البصري والسّمعي، والذاكرة، والتّعلّم والانتباه. كما تساهم نشاطات "غاما" في عمليّة الحفاظ على التّزامن بين المناطقة المختلفة في الدّماغ التي تعمل جنبًا إلى جنب لتنفيذ مهام معقّدة.

بما أنّ التّعرف إلى الوجوه هو عمليّة صعبة تستوجب التّعاون بين منظومة معالجة المعلومات البصريّة وبين عمليّة استخراج معلومات من الذّاكرة، فقد خمّنّا أن تكون نشاطات غاما متورّطة في هذه العمليّة.

التّجربة
لقد قمنا بمقارنة النّشاطات الدّماغيّة التي أظهرها المفحوصون عندما عرضت عليهم وجوه مألوفة بالمقارنة مع النّشاطات التي ظهرت عند عرض وجوه غير مألوفة.
شاهد المفحوصون الصّور التي ظهرت على شاشة حاسوب. نصف كمّيّة الصّور كانت لأشخاص معروفين والنّصف الآخر لأشخاص غير معروفين. طلبنا من المفحوصين أن ينظروا إلى الوجوه التي تظهر على الشّاشة والبتّ في ما إذا كان كلّ وجه جميلا، قبيحًا أو عاديًّا.



لقد اخترنا هذه المهمّة لسببين:
أ) أردنا أن نتأكّد من أنّ المفحوصين ينظرون فعلا إلى الوجوه ويحاولون معالجتها.
ب) لم نرغب بأن تتمحور المهمّة حول كون الوجوه مألوفة أم لا بشكل مباشر، لأنّنا معنّيون ببحث العمليّات الدّماغيّة التي تؤدّي إلى التعرف "التّلقائي" إلى الوجوه المعروفة.

نتائج البحث
مكوّن الـ 170Nيستجيبلعرض الوجوه المعروفة وغير المعروفة
 
N170
في الرّسم رقم 1 نشاهد ردّ الفعل الدّماغي الكهربائي المعدّل في الفترة الزّمنيّة التي تتبع ظهور الاستثارة (محور الـ x). يظهر مكوّن الـ170Nحوالي 150 ميليثانية بعد الاستثارة، ولا يوجد فرق بين ردّة فعل الـ 170Nللوجوه المعروفة والوجوه غير المعروفة.
في الصّورة التّالية تظهر النّشاطات في مجال تردّدات ردًّا على استثارات على شكل وجوه مألوفة وأخرى غير مألوفة:



تظهر في الرّسم رقم 2 النّشاطات الدّماغيّة في التّردّدات في المجال 40 - 100 هيرتس (محور الـ y) من بداية الاستثارة (محور الـ x، تظهر الاستثارة في الزّمن 0). يتم قياس درجة النّشاط بواسطة الألوان المختلفة (أحمر - عالية، أزرق - منخفضة). بعد حوالي 100 ميليثانية من الاستثارة نلحظ ارتفاعًا بالنّشاط في مجال التّردّدات هذا، ويستمر هذا الارتفاع ثانية واحدة. ويكون هذا النّشاط أقوى ردًّا على عرض وجه مألوف مقارنة مع عرض وجه غير مألوف.

نقاش ونتائج
تشير نتائج التّجربة إلى أنّ المقياسين اللذين اخترناهما في هذه التّجربة يعبّران عن العمليّات الدّماغيّة التي تُعنى بمختلف جوانب معالجة الوجوه.

يعتبر مكوّن الـ 170Nاستجابة مميّزة للوجوه، لكنّها غير حسّاسة لنوع الوجه (لا فرق بين ما إذا كان وجهًا مألوفًا أو غير مألوف). إنّنا نطرح فكرة أن هذا المكوّن يعبّر عن إمكانيّة تمييز الوجوه العامّة دون معلومات إضافيّة. تتلاءم هذه الفكرة ونتائج الأبحاث السّابقة التي قضت بأنّ مكوّن الـ 170Nيكون مشابهًا بغض النّظر عمّا إذا تمّ عرض وجه بشري أم وجه قرد.

بخلاف مكوّن الـ 170N، فإنّ لهويّة الوجه أهميّة وتأثيرًا في نشاط الغاما الذي يزداد إذا كان الوجه مألوفًا، مقارنة مع حالة الوجوه غير المألوفة.
إحدى الإمكانيّات لتفسير هذه النّتائج هي أنّ نشاط الغاما يعبّر عن استخراج معلومات من الذّاكرة كي تساعد على التّعرّف إلى الشّخص الذي تتم مشاهدته.
 إمكانيّة أخرى هي أنّ ارتفاع نشاط الغاما يعبّر عن تخصيص المزيد من موارد الانتباه نحو مهمّة معالجة الوجوه المألوفة، أو تشغيل آليات ثانويّة تتبع عمليّة التّعرّف إلى الوجوه (مثل استدعاء ذاكرة شخصيّة، تفعيل المشاعر وإلى آخره) - وهي آليات لا علاقة لها بالوجوه غير المألوفة.

مع أنّ مكوّن الـ 170Nهو عبارة عن استجابة عاجلة وسريعة الزّوال، فإنّ نشاط الغاما يستمرّ أكثر من ثانية واحدة بعد الاستثارة - وهي فترة زمنيّة طويلة في سياق الدّماغ. لذا، من المعقول أن تعبّر نشاطات الغاما عن أكثر من عمليّة واحدة.

وقد أدّت بنا هذه النّتائج ونتائج أخرى إلى طرح النّموذج التالي للتعرّف إلى الوجوه:





أهمّيّة البحث وخطط مستقبليّة
عطفًا على هذا البحث، قمنا بإجراء سلسلة من الأبحاث التي تهدف إلى اقتفاء آثار الآليّات العصبيّة التي تعنى بعمليّة تعلّم الوجوه الجديدة، تعلّم تفاصيل النّاس الشّخصيّة واسترجاعها من الذّاكرة وقت الحاجة. إضافة إلى ذلك، إنّنا نفحص ما الذي يجري في الدّماغ أثناء الإخطاء أو الفشل في التّعرّف إلى وجه ما.

إنّ هذا البحث هامّ جدًّا بالنّسبة للعديد ممّن يعيشون بشكل يوميّ أهميّة القدرة على التّعرف إلى الوجوه والإحباط الذي ينتابهم عندما يفشلون في ذلك. إنّنا نأمل في أن يساعد كشف الآليات الدّماغيّة، التي تعتمد عليها قدرتنا، في فهمنا لهذه العمليّة، وأن يساهم في تطوير الطّرق لتحسين ذاكرة الوجوه لدى الأشخاص المعافين وكذلك لدى أولئك الذين يعانون من عجز ما في مجال الذّاكرة والتّمييز البصري.
 
المزيد عن ...
"إنّ طرح أسئلة جديدة ومعاينة قضايا قديمة من زوايا جديدة يتطلّبان خيالا إبداعيًّا وهما دليل على التقدّم العلميّ الحقيقي" - ألبرت آينشطاين

سؤال البحث- في جوهر كلّ بحث ثمّة سؤال ما.
يجسّد هذا السّؤال الفضول العلمي الذي أدّى بالعلماء إلى إجراء هذا البحث المعيّن.
تتقدّم المسيرة العلميّة كلّما طرحنا أسئلة جديدة. يؤدّي كلّ سؤال إلى تجربة جديدة تزوّدنا بنتائج تنضم إلى المعرفة العلميّة الجماعيّة وتضيف عليها.

لا ينحصر سؤال البحث في وصف الموضوع الذي يُعنى به البحث، بل لديه وظيفة مركزيّة في تخطيط كلّ مراحل البحث.
على الباحثين أن يصيغوا سؤال البحث بطريقة دقيقة ومحدّدة، كي يستطيعوا تخطيط تجربة في إمكانها تزويدهم بإجابة عن السّؤال. أي بما معناه أنّ على السّؤال أن يكون قابلا للفحص.

عمومًا، يكون لدى الباحثين نظريّة تمكّنهم من توقّع الإجابة التي يمكن أن يحصلوا عليها لسؤال البحث. مع ذلك، فعلى السّؤال أن يُطرح بطريقة موضوعيّة قدر الإمكان تسمح بالحصول على إجابات قد لا يكون الباحث قد توقّعها.

إنّ سؤال البحث في غاية الأهميّة لفهم نتائج البحث ومعناها، إذ ستتمّ معاينة هذه وفقًا للسّؤال المطروح.
 

 

Date Created: 05/03/13
Date Updated: 05/03/13