Skip to main content

الطّيب والشّرس والقبيح





    الطّيب والشّرس والقبيح
    إلى أيّ درجة هناك تشابه ما بين النّشاط الدّماغي لدى أشخاص مختلفين؟




مجموعة البحث: د. أوري حسون، بروفسور رافي ملآخ
قسم البيولوجيا العصبيّة، معهد وايزمان للعلوم، رحوفوت

خلفيّة
إنّ أحد أهمّ الأهداف في مجال أبحاث الدّماغ هو فهم طريقة تعامل الدّماغ مع الاستثارات الحسّيّة المعقّدة التي نواجهها في بيئتنا الطبيعيّة. مع ذلك، ففي العديد من التّجارب تُستخدم استثارات بسيطة واصطناعيّة، بهدف تشغيل مناطق معيّنة في الدّماغ وتبسيط عمليّة تحليل النتائج. في هذه التّجربة، قام د. أوري حسون والبروفيسور رافي ملآخ بفحص النّشاط الدّماغي لدى مفحوصين خلال مشاهدتهم الفيلم "الطّيّب، الشّرس والقبيح". يتألّف الفيلم من معلومات بصريّة وأخرى سمعيّة بدرجة تعقيد عالية تحاكي المدخلات (inputs) التي نصادفها حقًّا في بيئتنا الطبيعيّة.
 
أسئلة البحث
كيف تبدو النّشاطات الدّماغيّة التي تستثيرها المدخلات الطّبيعيّة؟
هل يوجد تشابه بين النّشاطات الدّماغيّة لدى أشخاص مختلفين في ظروف طبيعيّة؟
 
وسائل البحث
تمّ إجراء البحث بواسطة تصوير وظيفي بالرّنين المغناطيسي (fMRI - Functional magnetic resonance imaging). تعتمد وسيلة التّصوير هذه على استغلال الطّاقة وعلى حقيقة كون الخلايا العصبيّة الفعّالة في الدّماغ تستغل الطّاقة، وهو أمر ينعكس في مستوى الأوكسجين في الدّم. إنّ الخواص المغناطيسيّة لجزيئات الهيموغلوبين - التي تحمل الأوكسجين - تختلف عندما ترتبط إليها جزيئات الأوكسجين مقارنة بالوضع الذي لا يحمل الهيموغلوبين الأوكسجين فيه. لذا، فإنّ قياس الإشارات المغناطيسيّة المناسبة من خارج الجمجمة يتيح لنا تقفّي آثار المناطق الفعّالة في الدّماغ في ظروف مختلفة.
 
في التجارب النموذجيّة، يستلقي المفحوص داخل كهرمغناطيس (كما في الرّسم) وينفّذ مهمّة ما (مراقبة استثارات بصريّة مختلفة أو الاستماع إلى استثارات سمعيّة، على سبيل المثال). كي لا يتأثّر الحاسوب والشّاشة اللّذان يعرضان الاستثارات من الحقل المغناطيسي يتم نقل الصّورة إلى المغناطيس بواسطة أساليب بصريّة. يقوم حاسوب إضافي بتسجيل النّشاط الذي يتم قياسه في الدّماغ طوال الوقت، ثمّ تتم معالجة النّتائج وتحليلها.
 
يختلف البحث الحالي عن الأبحاث التّقليديّة من ناحية طابع التّجربة وطرق تحليل المعلومات: لقد قمنا بفحص النّشاط الدّماغي خلال مشاهدة المفحوصين لمقطع من فيلم، أي أنّنا عرضنا عليهم استثارة معقّدة "وطبيعيّة"، خلافًا للتجارب التّقليديّة التي كانت تعرض على المفحوصين استثارات بسيطة ومصطنعة (نوع معيّن من الصّور الثّابتة، على سبيل المثال).
 
في التّوجه التّقليدي يتمّ استخدام سلسلة محدّدة مسبقًا من الاستثارات البسيطة لتحليل المعطيات، ويتم البحث عن المناطق التي أدّت كلّ استثارة إلى إحداث نشاط فيها. أمّا في تجربتنا، فقد قام العلماء بتبنّي توجّه معاكس، حيث عرضوا على الدّماغ استثارة معقّدة احتوت، عمليًّا، على تشكيلة واسعة من الاستثارات المختلفة. من ثمّ، قام العلماء بالنّظر إلى كلّ منطقة على حدّة وإيجاد اللّحظات في الفيلم التي أدّت إلى أعلى درجة نشاط في تلك المنطقة. بهذه الطّريقة، نجحنا في تشخيص أنواع الاستثارات التي تستجيب إليها كلّ منطقة.
 
التجربة
شارك في التجربة 5 مفحوصين. شاهد كلّ المفحوصين نفس المقطع، الذي مدّته نصف ساعة، من الفيلم "الطّيّب، الشّرس والقبيح". خلال المشاهدة، قمنا بقياس النّشاط الدّماغي بواسطة التّصوير الوظيفي بالرّنين المغناطيسي - fMRI.
 


نتائج التّجربة
إحدى النّتائج المركزيّة التي حصلنا عليها في التّجربة تفيد أنّ حوالي %30 من مناطق الدّماغ تعمل بشكل مشابه لدى مفحوصين مختلفين خلال مشاهدة الشّريط. بكلمات أخرى، يمكننا استخدام نماذج النّشاط الدّماغي التي سجّلناها خلال فترة زمنيّة معيّنة من تلك المناطق كي نتنبّأ نماذج النّشاط في نفس المنطقة ونفس الفترة الزّمنيّة لدى مفحوص آخر.



في بحث لاحق، وجد د. أوري حسون أنّه بالنّسبة للأفلام التي "تجذب" المشاهد بدرجة أعلى، مثل أفلام المخرج هيتشكوك، فإنّ التّشابه هذا بين النّشاطات نلاحظه في نسبة أعلى
من المناطق: حوالي الـ%70 من مناطق الدّماغ أظهرت نشاطات مشابهة لدى مفحوصين مختلفين.

إحدى النّتائج المركزيّة الإضافيّة هي أنّه في الإمكان العثور على مناطق مختلفة ذات تخصّصات وظيفيّة مختلفة. يظهر الرّسم أدناه النشاط الذي تمّ تسجيله من منطقة في الدّماغ تدعى FFA. إذا نظرنا إلى الرّسم من ناحية اللّحظات خلال الفيلم التي حصلنا فيها على مستويات عالية من النّشاطات في تلك المنطقة، نلاحظ أنّ المنطقة نشطة عند مشاهدة الوجوه.


الرّسم A

يظهر الرّسم الصّور التي تظهر في الفيلم في اللحظات التي سُجّلت فيها أعلى مستويات من النّشاط الدّماغي. تمّ ترقيم الصّور بترتيب تنازلي حسب مستوى النّشاط (استثارت الصّورة الأولى أعلى مستوى نشاط).


الرّسم B

بشكل مشابه، تمّ تشخيص مناطق تتعلّق بالاتّجاهات الحيّزيّة، أو بتحليل الحوار، أو بتحليل حركات اليد أو بوظائف ومهام أخرى.

نقاش ونتائج
مع أنّ المفحوصين شاهدوا فيلمًا معقّدًا دون أيّ تعليمات محدّدة، استطعنا اكتشاف نتائج ملموسة حول طريقة عمل الدّماغ.

وجدنا من خلال البحث ترابطًا بدرجة عالية بين نشاط الدّماغ لدى مفحوصين مختلفين شاهدوا ذات الفيلم. لم نعثر على ذلك التّرابط في المناطق التي تقوم بمعالجة معلومات حسّيّة بشكل أوّلي فحسب، بل وفي المناطق ذات مستوى أعلى من ناحية عمليّات معالجة المعلومات التي تجري فيها، كالمناطق التي تتعلّق بتمييز الوجوه.

المزيد عن...
وسائل البحث - اسم يُطلق على مجموعة الأدوات التي يستخدمها العالم بهدف الإجابة عن أسئلة البحث التي وضعها. تشمل وسائل البحث معدّات التجربة، طرق معالجة المعطيات والتّوجهات النّظريّة التي اعتمد عليها لبناء النّماذج. قد يختلف باحثون مختلفون يعالجون نفس أسئلة البحث عن بعضهم البعض من ناحية وسائل البحث التي يستخدمونها. أحيانًا، ثمّة مشاكل في درجة الموثوقية المعزوّة للقياس بحسب وسيلة بحث معيّنة، وتكون هناك حاجة لاستخدام وسيلة أخرى أو المقارنة بين الوسائل المختلفة لجمع المعطيات ومعالجتها. أحيانًا، تمكّننا إحدى الوسائل من قياس عدد قليل من المتغيّرات، في حين تتيح لنا وسيلة أخرى قياس عدد أكبر من المتغيّرات. حدث مرارًا أن وسائل البحث الإبداعيّة كانت مسؤولة عن إنجازات علميّة مهمّة.

 
Date Created: 04/03/13
Date Updated: 05/03/13