Skip to main content

محرّك من نوع آخر

عن الكهرباء الساكنة والبلّورات الكهرضغطيّة.

هل نحن بحاجة إلى حقل مغناطيسيّ؟

كل من تعلّم الفيزياء (أو زار معرض "على ضوء الكهرباء" في المتحف) يعرف أنّ في المحرّك الكهربائي هناك ملفّات يتدفّق فيها التيّار الكهربائي. هذا التّيار يولّد حقلاً مغناطيسيًّا يجذب أو يبعد عنه مغناطيسًا أو ملفًّا آخر. وبهذا تتحوّل الطّاقة الكهربائيّة إلى طاقة حركيّة.
لكن، هل هذه أكثر طريقة ناجحة للقيام بهذا؟ ألا نستطيع أن نتخلّى عن وساطة الحقل المغناطيسي لتحويل "قوّة الكهرباء" إلى حركة مباشرة؟
فالشّحنات الكهربائية تتجاذب أو تتنافر فيما بينها أيضًا بانعدام تيّار كهربائي. هذا هو المبدأ الذي تعتمد عليه غالبيّة التجارب التي رأيناها في الكهرباء السّاكنة. ربّما نستطيع أن نستخدم هذه القوى لتحريك الأجسام. صحيح أنّ هذه القوى ضعيفة نسبيًا ويصعب تحريك محرّكات قويّة بواسطتها، لكنّ هناك العديد من المنظومات والأجهزة التكنولوجية التي نحتاج فيها إلى قوى وحركات بسيطة فقط.

قوّة الكهرباء الساكنة

كلّنا نعرف آلات تصوير ومطبعات الليزر، لكن، هل تعلمون أنّ مبدأ عمل هذه الأجهزة هو الكهرباء السّاكنة؟ فإنّ جزيئات الحبر التي نستخدمها مشحونة بشحنة كهربائيّة تجعلها تنجذب نحو الإسطوانة التي تنعكس عليها الورقة المصوّرة. إنّ قوّة الجذب هذه ليست قويّة، ولكنّ جزيئات الحبر الصغيرة والخفيفة تمكّن من التّحكم والقبض على كل جزيء على حدة بواسطة الشّحنة الكهربائية وإلصاقة في المكان الملائم على الورقة.

جهاز آخر يستخدم الكهرباء السّاكنة "للقبض" على الجزيئات هو مصفاة الدّخان في المدخنة. ففي هذا النّوع من المداخن توجد رشّاشات شحنات "تطلق" الشحنات الكهربائيّة نحو جزيئات الدّخان والسّخام. "تلتصق" هذه الشّحنات بالجزيئات وتشحنها وتجعلها تنجذب إلى، أو تلتصق بدورها في، شبكة أو لوح معدني مشحون بشحنة مضادة، وهكذا لا يخرج السّخام من المدخنة.

لقد تحدّثت الأمثلة السّابقة عن جمع جزيئات صغيرة، وزن كلّ منها أصغر من جزء من الألف من الغرام الواحد، ولكنّنا نستطيع أن نستخدم قوى التجاذب والتّنافر الكهربائية الساكنة لتحريك أجسام أكبر. وإنّ الطريقة الأكثر شيوعًا للقيام بهذا هي استخدام موادّ خاصّة تغيّر شكلها عند وصلها لجهد كهربائي. وتسمّى هذه المواد موادّ كهرضغطيّة (piezoelectric، piezo– ضغط وelectric– كهربائي).

ويكمن سّر هذه المواد في كيفيّة ترتيب الشّحنات الكهربائية فيها. في كلّ ذرّة هناك عدد متساوٍ من الشّحنات الموجبة (في النواة) والسّالبة (الإلكترونات التي تحوم حول النّواة). تنتظم الإلكترونات عمومًا بشكل متناظر حول الشّحنات الموجبة بحيث تبدو لنا المادّة محايدة الشّحنة من كل نقطة ننظر إليها. أمّا في المواد الكهرضغطيّة فإنّ حركة الإلكترونات غير متناظرة وتتواجد وقتًا أطول في إحدى جهات النّواة (أنظروا الرّسم).

الإلكترونات في ذرّة "عاديّة"الإلكترونات في مادّة كهروضغطيّة
حركة الإلكترونات حول نواة في ذرة لمادّة "عاديّة" ومادّة الكهرضغطيّة.

إنّ هذه الجهة التي تتواجد فيها الإلكترونات لفترة أطول مشحونة، عمليًّا، بشحنة سالبة، بعكس الجهة الأخرى (التي تقضي فيها الإلكترونات فترة أقصر) المشحونة بشحنة موجبة. هذا المبنى الذرّي الذي يحتوي على شحنات معزولة والذي فيه جهة ذات شحنة موجبة بالنّسبة للجهة الأخرى يدعى "ثنائيّ القطب" (dipole)، وهو موجود في موادّ أخرى عدا المواد الكهرضغطيّة. لكنّ ما يميّز هذه المواد هو أنّ كل ذرّاتها مرتّبة بنفس الاتجاه، كما يظهر في الرّسم.

 
مادّة مكوّنة من ثنائيّات أقطاب كهربائيّة.

وتعمل على المادّة، بهذه الحالة، قوّتان. القوّة الأولى هي قوّة التجاذب الكهربائية السّاكنة التي تجذب الشّحنات السّالبة إلى الموجبة في كلّ ذرّة. و"تحاول" هذه القوّة دائمًا ضغط المادّة وتقليصها. من جهة أخرى، تعمل على المادّة قوى داخلية تبعد الشّحنات الكهربائية وتنتج ثنائيّات الأقطاب. في الوضع العادي، تتعادل القوّتان وتحافظ المادّة على شكلها، لكننا إذا وصلناها إلى جهد كهربائي، تنضمّ أو تترك الشحنات الكهربائية الذّرّات في الطبقة الخارجية، فتؤدّي بذلك إلى "تعزيز" أو "إضعاف" القوى الكهربائية الداخليّة وتجعل المادّة "تتقلّص" أو "تتمدّد" كما يظهر في الرّسم. ولضمان وصول الشّحنات الكهربائية من البطّاريّة إلى كلّ سطح المادّة الخارجيّ، كثيرًا ما تضاف طبقة من المادّة المُوصلة إلى السّطح.
  

فوائد الشحنات المحاصَرة

هنالك عدّة فوائد من استخدام المواد الكهرضغطية للحصول على الحركة:
- يتدفق قدر بسيط من التيار الكهربائي في المادّة فحسب، فلا يوجد تقريبًا أي احترار أو تبذير للطاقة في البلّورة الكهرضغطيّة. تحتاج الحركة الناتجة إلى مقدار بسيط نسبيًا من الكهرباء.
  • البلورّة الكهرضغطية هي نفسها التي تتحرّك، ولسنا بحاجة إلى أيّ إضافات كالمغناطيس أو الكهرومغناطيس أو أيّ أجسام حديديّة كما في المحرّك الكهربائيّ.
  • تجري عمليّة "التقلّص" و"التّمدّد" في كلّ ذرّة في المادّة، أي إنّه في إمكاننا بناء أجهزة حركة بالغة الدّقّة. نظريًّا، نستطيع أن نبني جهازًا بسُمك ذرّة واحدة فقط، لكن، فعليًا، يتراوح سمك البلّورات المستخدمة بين ملليمتر واحد وبضعة سنتيمترات.
  • إنّ حجم الأجهزة الكهرضغطيّة الصّغير يجعل من تقليصها وتمدّدها بسرعة كبيرة وبتردّد مرتفع أمرًا ممكنًا، ما يصدر أصواتًا بتردّدات أعلى من تلك التي تصدرها سمّاعة عاديّة، على سبيل المثال.
  • إنّ مدى تقلّص أو تمدّد المادّة يتناسب مباشرة مع الجهد الكهربائيّ المُزوّد. هكذا نستطيع التّحكّم بحجم وحركة المادّة بواسطة التحكّم بالجهد الكهربائي.

بالإضافة إلى كلّ الفوائد أعلاه، إنّ الجهاز الكهرضغطي ما هو إلاّ كتلة من المادّة الموصولة بواسطة زوج من الموصلات إلى مصدر جهد. لذا، في الإمكان إنتاجه بسهولة فائقة وبسعر رخيص، نسبيًا.
 

ما الذي يمكننا فعله بها؟

للبلورات الكهرضغطية استعمالات عديدة:

الصفّارة الكهربائية
أحد الأمثلة البارزة المعروفة للحركة الميكانيكيّة هو الموجة الصوتيّة. نستطيع أن نجد مجموعة كبيرة من الصّفارات الكهربائيّة التي تباع في الأسواق والتي تعمل بواسطة المواد الكهرضغطيّة التي تحرّك الهواء حولها. وإنّ استهلاك هذه الصفارات المنخفض للتيار جعلها تستخدم في العديد من الأجهزة التي تعمل على بطّاريّات، مثل ساعات اليد وبطاقات المعايدة الموسيقيّة والألعاب الصّغيرة وأجهزة القياس المتنقّلة والهواتف اللاسلكيّة والخليويّة وأجهزة اليوميّات الإلكترونيّة.. إلى آخره. للتوفير في الحيّز، تصنع هذه الصّفارات من طبقة رقيقة جدًا (أقلّ من ملليمتر) من المادّة الكهرضغطيّة الملتصقة بقرص معدنيّ رقيق له وظيفتان، فهو موصل كهربائي وأداة لإحداث ارتجاج في الهواء وإصدار الصّوت.
ولكنّ إحدى سيّئات الصفّارات الكهرضغطيّة هي مجال التردّدات المحدود الممكن توليده، ولذا فهي لا تستخدم في الأجهزة التي تصدر أصواتًا أو في الموسيقى العالية الجودة.


مبنى الصفارة الكهرضغطية
 
مولّد أمواج صوتيّة بتردّد عالٍ

هناك بعض الأجهزة الكهرضغطيّة الخاصّة التي يمكننا أن نرجّها بتردّد عالٍ لنحصل على أمواج صوتيّة بتردّدات أكبر من تلك التي نستطيع نحن سماعها (حوالي 15,000 تذبذبة في الثانية). تدعى هذه الأمواج  "الأمواج فوق الصّوتيّة" (ULTRA-SOUND) وتستخدم في أجهزة قياس أبعاد وأجهزة إنذار وأجهزة تحكّم عن بعد وحتّى في أجهزة بخار "بارد" تعمل بواسطة ارتجاجات في الماء "لسحقه" وتحويله إلى بخار.

كما يستخدم الصائغ وصانع الحلى، بالإضافة إلى المختبرات العلميّة، "حوضًا فوق صوتيّ" لتنظيف المواد. وتعتمد عمليّة التنظيف في هذا الجهاز على أمواج فوق صوتيّة تؤدّي إلى ارتجاجات في الماء وتزيل الأوساخ عن الأجسام المغمورة فيه. كما تستخدم هذه الأمواج فوق الصوتيّة في أجهزة التصوير الطبيّة (أجهزة الأولتراساوند) "للتغلغل" إلى جسم الإنسان "وقراءة" مبنى وشكل الأعضاء الدّاخليّة. وتصل تردّدات الأمواج الصّوتية في هذه الأجهزة إلى ملايين التذبذبات في الثانية.

أجهزة التحريك الدقيقة
كذلك تستخدم الموادّ الكهرضغطية في الأجهزة الميكانيكيّة الدّقيقة التي يتوجّب فيها التقدّم بخطوات متناهية الصغر قد تصل إلى جزء من الألف من الملليمتر (أي ميكرومترات) أو أصغر، كالمنظومات البصريّة الدقيقة أو المجاهر النفقيّة الماسحة (Scanning Tunneling Microscope) التي تستخدم لمسح أسطح المادّة وتمييز ذرّات فرديّة فيها.

والطّباعة هي مثال آخر لمجال نحتاج فيه إلى حركة دقيقة. فتباع اليوم في الأسواق مطابع حبر، بعضها منزلي، تستخدم الحركة الكهرضغطيّة لتحريك الجزء الذي يُطلق الحبر. وتمكّن هذه التكنولوجيا من الوصول إلى قدرة فصل أو فرز تعادل 1000 نقطة للإنش (أي 1000dpi) أو أكثر.
Date Created: 16/11/12
Date Updated: 17/11/12