Skip to main content

الصّهيرة ليست مجرّد سلك

أو كيف نقطع التيّار القويّ؟

ولماذا ينقطع أصلاً؟

من المُرجّح أنّ أحد "الأجهزة" الكهربائيّة الأكثر بساطة هو المفتاح أو القاطع الكهربائي. فهل هنالك أبسط من قطعتين معدنيّتين تمرّران التيار الكهربائي إذا تلامستا، في حين إذا حرّكت إحداهما تسبّبت الفجوة الناتجة بانقطاع التّيار؟
 
أوبس! – لماذا يتوقّف التّيّار عن التدفّق في الدائرة إذا لم يكن القاطع مغلقًا؟ لماذا لا يستمرّ التيّار بالتدفق عبر الهواء بين جزءي القاطع؟
 
إذا قمتم بإطفاء جهاز كهربائي يستهلك التّيار بكثرة، كالفرن الكهربائي مثلاً، ونظرتم إلى القاطع بالظلام لرأيتم ضوءًا ساطعًا يلمع فيه. هذا الوميض يظهر لدى قطع التيّار. ففي العديد من الأماكن نرى تيارًا كهربائيًا يتدفق عبر الهواء بدون أي مشكلة. إنّ الاسم العلمي لهذا الوميض هو "التّفريغ الكهربائي". عمليّة اللحام، مثلاً، تؤدّي إلى وميض بين قطب اللحام وبين الجسم المراد لحامه. وفي السيّارة، تقوم البوجية بإنتاج وميض يشعل بخار الوقود، وحتّى في موقدات الغاز الجديدة يستعمل الوميض لإشعال الغاز.
كل وميض يدلّ على وجود تيار كهربائي ينتقل عبر فجوة من الهواء. لماذا لا يحدث أمرٌ مماثل بين جزءي القاطع الكهربائي؟
 
الإجابة هي أنّ هذا الوميض يحدث فعلاً، وليس في القاطع اليدوي فحسب، بل وفي الصهيرة وفي القاطع شبه الآلي وفي الأمّان الكهربائي. عمليًا، في كل مرّة ينقطع فيها التّيار يكون هناك وميض في مكان الانقطاع. يستطيع هذا الوميض، في بعض الظروف، أن يستمر بتمرير التيّار في الدائرة الكهربائية. هذه الظروف تؤدي إلى "اشتعال" متواصل في موقع الوميض، وهي ظروف خطرة. فعدا عن استمرار الأجهزة التي أردنا إيقاف عملها بالعمل، فإنّ الوميض يؤدي إلى احترار النقاط التي "يشتعل" بينها، وقد يؤدّي إلى احتراقها وحرق ما حولها خلال وقت قصير.
 
لكن لحسن الحظ، هذا الوميض سرعان ما ينطفئ في غالبيّة القواطع خلال وقت قصير (أقلّ من عُشُر ثانية)، وهذا لأنّ الشرارة بحاجة إلى جهود عالية وتيّارات قويّة بما فيه الكفاية كي تستمرّ. إنّ نوع المعادن المستخدمة في القاطع وشكلها ودرجة حرارتها تؤثر، بالإضافة  إلى عوامل أخرى، على شدّة التّيار اللازمة لاستمرار الوميض، ولكنّها كثيرًا ما تتعدّى بضع أمبير.
 
أمّا الجهد اللازم لاستمرار الوميض فيتعلّق أساسًا بالبعد بين نقطتي القطع، ولكن تعريفه أكثر تعقيدًا. إذا لم يكن هناك وميض، فإنّ إشعاله يتطلّب جهودًا عالية (بضع آلاف واط لكل سنتيمتر بين جزءي القاطع)، لكن، مع اندلاع الشّرارة فإنّها تتطلّب جهودًا أكثر انخفاضًا للمحافظة عليها. في هذا الوضع، يمكننا إبعاد الجزءين بعضهما عن بعض بحيث تستمرّ الشّرارة باندلاعها، وإن لم تكن ثابتة، حتّى تنطفئ. فكلّما كبر البعد بين الجزءين يكبر احتمال انطفاء الوميض ويقصر الوقت المعدّل حتّى انطفائه (شاهدوا المعروضات "سلّم يعقوب" و"المصباح المقوّس" في عرض "على ضوء الكهرباء"). هذا هو السّبب لاندلاع الوميض عند فصل جزءي القاطع. في أوّل جزيء زمني يكون البعد بين الجزءين صغيرًا لدرجة أنّ أيّ جهد، مهما كان صغيرًا، يستطيع أن يؤدّي إلى وميض. بعدها قد لا ينطفئ الوميض حتّى لو ابتعد الجزءان بعضهما عن بعض.
 
إنّ استقرار الشرارة وزمن اندلاعها يتعلّقان كذلك بشدّة التيّار، أو بشكل أدقّ بالحدّ من شدّة التّيار. فكلّما سمحنا بتدفّق كميّة أكبر من التيّار عبر الوميض يكون هذا الوميض أكثر استقرارًا وينطفئ بشكل طبيعيّ بعد وقت أطول. فالأجهزة المستخدمة في الصهر أو اللحام، مثلاً، تسمح بمرور تيّارات بشدّة تعادل مئات الأمبيرات، ويستطيع اللحامون الماهرون أن يحافظوا على اندلاع قوس اللحام (الوميض) لعشرات الدّقائق على بعد قد يتعدّى السنتيمتر الواحد. لكي يشعل اللحام الوميض، يقوم بملامسة الجسم المراد صهره بواسطة القطب، بحيث تُغلق الدائرة الكهربائية لفترة قصيرة، ثمّ يفتحها مجدّدًا بواسطة إبعاد القطب قليلاً.
 
أمّا انطفاء الشّرارة فيحدث لسببين: أوّلاً، قد تحدّد الأجهزة الكهربائيّة الموصولة في الدائرة التّيّار المسموح بمروره في القاطع وتقلّص الجهد الذي يصل إليه؛ ثانيًا، عند ابتعاد جزءي القاطع بعضهما عن بعض فإنّ استقرار الوميض يضعف حتّى ينطفئ. ولن يشتعل الوميض مجدّدًا إذا بقي جزءا القاطع بعيدين. مع ذلك، خلال فترة اشتعال الوميض فإنّه يؤدي إلى احترار نقاط التّماس وقد يحرقها، لذا فإنّ القاطع الجيّد عادة ما يكون مزوّدًا بنابض وظيفته إبعاد نقاط التّماس عن بعضها بأسرع وقت ممكن لتقليص زمن اشتعال الوميض.
 

وماذا يحدث للصهيرة؟

في حالة الصّهيرة، والتي تهدف إلى المحافظة على الدائرة الكهربائية وقطع التيّار الكهربائي عنها لدى حصول أي مشكلة، فإنّ مشكلة الوميض أخطر بكثير: فعند حدوث قُصر تحتوي الدائرة الكهربائية الناتجة على الصهيرة وبعض الموصلات (ذات المقاومة الضعيفة) ومصدر الجهد (شبكة الكهرباء المحليّة، مثلا) فقط. في دائرة كهذه لا يوجد أي عامل يحدّد التّيّار أو يقلّص الجهد. لذا، إذا انصهرت الصّهيرة، فإنّ التيّار الذي يتسبّب به الوميض قد يصل إلى مئات أو آلاف الأمبيرات، وهذا يجعل الوميض مستقرًّا وقد يستمرّ عدّة دقائق، خاصّة إذا كان البعد بين طرفي سلك الصّهيرة أقلّ من سنتيمتر واحد.
 
هذه التّيارات الشّديدة قد تؤدّي خلال بضع ثوانٍ إلى رفع درجة الحرارة وحرق موضع الصهيرة وما حوله وكذلك إلى احترار وحرق سائر الموصلات في الدائرة الكهربائيّة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ "سحب" كميّة تيّار كهذه من شبكة الكهرباء قد يؤدّي إلى ضرر للشبكة أيضًا (احترار الموصلات والمحوّلات، مثلاً).
 
لتجاوز هذه المشكلة ولجعل الصهيرة تقطع التيّار فعلاً إذا لزم الأمر، خاصّة في شبكات الكهرباء المنزليّة وما أعلى منها منزلة (المحليّة والبلديّة والقطرية، إلى آخره) كانت تستخدم في الماضي صهيرات يوضع فيها السّلك في رمل مكدّس. فيصعّب الرمل على استمرار اشتعال الشّرارة لأنّه يقوم بإطالة المسافة بين نقطتي اندلاع الشّرارة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الرّمل يستطيع تحمّل درجات حرارة عالية ولا يحترق ويستطيع أن يمتصّ الحرارة، ما قد يمنع احترار الصهيرة وجسمها.
 

ولماذا يُعتبر القاطع شبه الآلي معقّدًا جدًا؟

في هذه الأيّام، يستخدم القاطع شبه الآلي الذي له أفضليّة واضحة مقارنة مع الصهيرة، إذ من الممكن إعادة استخدامه. فبعكس الصّهيرة التي كان يجب استبدالها في كل مرّة تنقطع فيها الكهرباء، فإنّ القاطع شبه الآلي يمكنّنا من إعادة تشغيله بواسطة الضغط على زرّ. لكنّ هذا تحسينٌ ليس فقط في مجال الرّاحة، وإنّما كذلك في مجال الأمان. إنّ استبدال الصهيرة تتخلّله بالضّرورة ملامسة الدائرة الكهربائية، وقد يتكهرب من يقوم بعمليّة التبديل بسهولة (مثلاً، بواسطة إدخال أصبع إلى حيث لا ينبغي). لهذا السّبب، ينصّ القانون اليوم أنّ على كل شبكات الكهرباء المنزليّة أن تكون مزوّدة بقواطع شبه آلية وليس بصهيرات.
 
من جهة أخرى، إنّ مشكلة إطفاء الوميض الذي يحدث بين نقطتي التماس في القاطع أكثر خطرًا هنا. فبعكس الصهيرة التي فيها ينصهر سلك في فترة زمنية قصيرة، في القاطع شبه الآلي علينا تحريك نقطة التّماس بين المعدنين بالسرعة القصوى الممكنة لأكبر بعد ممكن. على نقطة التّماس أن تمرّر تيّارات بشدّة 10، 15 أو حتّى 25 أمبيرًا، ولذا عليها أن تكون ذات مساحة ملامسة كبيرة وذات كتلة كبيرة نسبيًا. ولتحريك كل هذا بسرعة كبيرة (أو، عمليًا، لجعلها تتسارع من السّكون) يجب تشغيل قوة كبيرة. هذه القوّة ينتجها نابض يكون مضغوطًا لدى تشغيل القاطع.
 
أمّا إطفاء الوميض فيكون بواسطة سلسلة من الصفائح المعدنيّة الموضوعة في لوح صغير من الخزف والذي يدخل إلى الفسحة بين نقاط التّماس المعدنيّة عند ابتعادها. هذه الصفائح تطيل المسافة التي على الوميض أن يتخطّاها بين نقطتي التّماس، كما يحدث مع حبيبات الرّمل في الصهيرة، وهكذا ينطفئ الوميض.
 

وماذا يجري في الشّبكات الكبرى؟

إنّ كل المشاكل التي نعالجها في شبكة الكهرباء المنزليّة تتضاءل مقارنةً بما يحدث في الشبكة القطرية والتي تصل فيها الجهود الكهربائيّة إلى عشرات ومئات آلاف واط، وحيث علينا إبعاد نقاط التّماس في القواطع إلى مسافة بضع عشرات السنتيمترات كي ينطفئ الوميض. المشكلة تكمن في حجم وضخامة ووزن هذه المعادن وصعوبة تحريكها بسرعة. لذا، إنّ الطرق المستخدمة لإطفاء الشرارة في هذه الحالات هي كالتالي:
 
- استخدام أنظمة ميكانيكيّة كبيرة وقويّة تحتوي على رافعات ونوابض ومكابس من الهواء المضغوط وأنظمة أخرى تسرّع حركة المعادن.
- "نفخ" هواء مضغوط لإطفاء الوميض الذي يحدث.
- في الأماكن التي لا يمكن فيها بناء قواطع كبيرة ولا يمكن إبعاد نقاط التّماس بدرجة كافية، من الممكن بناء القواطع ووضعها في الفراغ أو في بيئة مكوّنة من مادّة أخرى تزيد من صعوبة اندلاع الشّرارة. إحدى الطرق هي استخدام الزّيت أو غاز يدعي SF6وهو غاز يصعب تأيينه، أي يصعب إشعال شرارة فيه.
Date Created: 15/11/12
Date Updated: 15/11/12