Skip to main content

الكهرباء والكيمياء

تستطيع التفاعلات الكيميائيّة أن تولّد تيّارًا كهربائيًا، كما يستطيع التّيّار الكهربائي أن ينتج تغييرات كيميائيّة. وقد سحرت هذه العلاقة الغامضة بين الطاقة الكهربائية والطاقة الكيميائيّة عقول العلماء على مدى مئات السّنين، لكنّهم لم يستطيعوا فهمها إلا خلال القرنين الماضيين.
 
قد لا نُفاجَأ نحن، مَن نعيش في بداية القرن الحادي والعشرين، من هذا الرّابط الوثيق بين الكيمياء والكهرباء. إنّ هذه العلاقة ممكنة بسبب تلك الجسيمات الصغيرة التي تشكّل جزءًا من كلّ ذرة – الإلكترونات. لأنّ التّيار الكهربائي هو غالبًا تيّار من الإلكترونات، ولأنّ علم الكيمياء ينظر، أساسًا، إلى العلاقة المتبادلة بين إلكترونات الذّرات المختلفة، فنجد في أيّامنا تعزيزًا لمقولة إنّ الكيمياء هي كهربائيّة. مع ذلك، فقبل اكتشاف الإلكترون بوقت طويل، قام أربعة علماء بالإعلان، من خلال أبحاثهم، عن ثّورة الكيمياء الكهربائيّة. هؤلاء الروّاد وواضعو أسس هذا العلم هم لويجي جالفاني وألكساندرو فولطا الإيطاليّان، وهامفري دايفي ومايكل فاراداي الإنجليزيّان.
 

ولادة الكيمياء الكهربائيّة

جالفاني (Galvani) يجعل ساق الضفدع تنقبض
أُطلقت الإشارة الأولى في عام 1780، في مدينة بولونيا في إيطاليا. فقد أدّت الصّدفة وتأهّب الطّبيب لويجي جالفاني إلى اكتشاف مدوٍّ: تدفّق الكهرباء. لم يأبه جالفاني نفسه لهذا الجانب في الكهرباء. فقد كان بحثه يتمحور حول ساق الضفدع. وخلال عمليّة كان يجريها لساق الضفدع لامس السّاق صدفةٌ جسمين معدنيّين مختلفين، ولامس الجسمان بعضهما البعض أيضًا، فانتفضت السّاق بانكماش مفاجئ. ولاحظ جالفاني المذهول أنّ هذه الظاهرة من شأنها أن تستمرّ لفترة طويلة. وقد افترض عندها أنّه اكتشف كهرباء خاصّة، "حيوانيّة"، ينتجها الحيوان وتتدفّق باستمرار. ومع أنّ فرضيّته لم تكن صحيحة، لسوء حظّه، فقد ألهب عقول باحثين آخرين جاءوا من بعده.
 
فولطا (Volta) مخترع البطّارية الكهربائيّة
السّنة: 1800. هبّ عالم إيطالي آخر، ألكساندرو فولطا، مصمّمًا على إثبات أنّ جالفاني كان مخطئًا. فقد كان فولطا يعتقد أنّ النتائج التي حصل عليها جالفاني لم تكن إلا نتيجة استخدام جسم موصل رطب بين جسمين معدنيّين مختلفين. وفي الإمكان استبدال الجسم الرّطب، وهو ساق الضفدع في هذه الحالة، بأيّ موصل رطب آخر. ولبرهنة فرضيّته، بنى مجموعة من أزواج أقراص معدنيّة مكوّنة من الخارصين (الزنك) والفضّة بينها موصلات رطبة، كقطعة من الورق المقوّى مبلولة بماء فيه أملاح، واستطاع، حقًا، أن يولّد تيّارًا كهربائيًّا متواصلاً من دون وجود أيّ كائن حي. وقد كانت هذه الأقراص هي أولى البطّاريات الكهربائيّة.
 
واشتهرت "بطّاريات فولطا"، أو باسمها الآخر "الخلايا الفولطيّة"، حتّى إنّها وصلت إلى مسامع نابليون. لكنّ شهرتها لم تتوقّف عند الحدود الفرنسيّة.
 
دايفي (Davy) يربط بين الكهرباء والكيمياء.
لاحظ السّير هامفري دايفي الإنجليزي في المعهد الملكي في لندن الإمكانيّة الهائلة التي تنطوي عليها خلايا الفولطا واستخدمها بكثرة. وقد قام ببناء بطاريّة فولطا ضخمة ذات 2000 قرص معدنيّ، وعرضَ بواسطتها على العلماء وجمهور المهتمّين بالعلوم عجائب التيّار الكهربائي.
 
وقد كان دايفي أوّل عالم أدخل الكهرباء إلى الأبحاث الكيميائيّة. فقد استخدم التّيّار الناتج في خليّة فولطا وجعله يمرّ بمحاليل ذات مكوّنات معروفة واستطاع الفصل بين هذه المركّبات بواسطة عمليّة تدعى الألكتروليزا. خلال هذه العمليّة استطاع أن يكتشف عناصر جديدة لم تكن معروفة قبل ذلك الوقت، كالصّوديوم – ذلك المعدن الرّخو الّذي بإمكاننا قصّه بالسّكّين، والذي إذا رمينا قطعًا منه إلى الماء فإنّها تتراقص وتشعل لهبات صغيرة وتصدر أصواتًا غريبة. وكانت هذه بمثابة مساهمة مهمّة لعلم الكيمياء الآخذ بالتّطوّر.
 
وقد كان دايفي أوّل من أدرك أنّ الكهرباء التي تنتجها خليّة الفولطا ما هي إلاّ نتيجة تفاعل كيميائي. وبصفته باحثًا في الكيمياء، فقد قام بخطوة إضافيّة. فبرأيه، إذا استطاع التيّار الكهربائي أن يتغلّب على القوى التي تجمع العناصر المختلفة لتكوّن منها موادّ ومركّبات جديدة، فإنّ هذه القوى هي حتمًا ذات طابع كهربائي. وكان هذا تجديدًا وإبداعًا حقيقيًا وتطوّرًا في فهم ماهيّة الأربطة الكيميائيّة.
 
فاراداي (Faraday)، الكهرو-مغناطيسية وقوانين الكيمياء الكهربائيّة
في تلك الأيّام، في بدايات القرن التاسع عشر، كان الصّبي مايكل فاراداي يعمل في معمل لتغليف الكتب في إحدى ضواحي لندن الفقيرة ليساعد عائلته على تأمين لقمة العيش. وقد أكثر هذا الصّبي، الذي لم يكن قد حظى بتعليم رسمي، من قراءة الكتب التي كان يغلّفها. وهكذا عثر، في موسوعة "بريطانيكا"، على مصطلح "الكهرباء" الذي أسر تفكيره. عندها بدأ يهتمّ بالعلوم، رغم الصّعوبات، وكان يثابر على السّفر إلى لندن لسماع المحاضرات التي ألقاها العديد من الباحثين المهمّين في المعهد الملكيّ البريطاني. وكان الكيميائي السّير هامفري دايفي أحد المحاضرين الذين سحروا فاراداي الشّاب، حيث قام دايفي باستعراض البطّارية العملاقة التي بناها وقام بتقديم بعض العروض الكهربائيّة المثيرة، بالإضافة إلى عرض العناصر الكيميائيّة الجديدة التي اكتشفها. فاراداي الشّاب اقترح على دايفي مساعدته، فقبله الأخير كمساعد في مختبره. هناك، في ذلك المختبر، طوّر فاراداي سيرة مهنيّة مزدهرة، ابتداءً من تلميذ دايفي ولاحقًا كمكمّل لطريق عمله. وقد بحث فاراداي موضوعًا أثاره كثيرًا: العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسيّة. وقد اخترع خلال عمليّة البحث المحرّك الكهربائي الأوّل (في عام 1821) والدّينامو الأوّل (1831)، وهما جهازان يعملان بموجب الأسس الكهرو-مغناطيسيّة.
 
أمّا عن مساهمته في مجال الكيمياء، فإنّ إنجاز فاراداي الأهمّ في الكيمياء الكهربائيّة حقّقه عندما استطاع أن يثبت أنّ للكهرباء النّاتجة عن المغناطيسات نفس التأثير الكيميائي الذي تسبّبه الكهرباء الناتجة بطرق أخرى. علاوةً على ذلك، فقد قام بوضع الجانب الكمّيّ للظواهر أعلاه المتعلّقة بالكيمياء: فبواسطة القوانين التي نصّها من الممكن تنبؤ وحساب أي كمّيّة من مادّة ما ستنتج عن مرور تيّار كهربائي في مركّب أو محلول يحتوي على هذه المادّة. ولا تزال هذه القوانين سارية المفعول إلى يومنا هذا.
 

الخلايا الكهربائيّة

الخليّة الكيميائيّة الكهربائيّة والخليّة الكهرليّة – أضداد.
لقد كشفت الكيمياء الكهربائيّة، ذاك المجال العلمي والتكنولوجي الذي يبحث العلاقة بين التغييرات الكهربائية والكيميائية، عن وجهيها المتضادّين منذ بدايات الأبحاث في هذا المجال. حتّى قبل 200 عام كان من الممكن أن ترى في مختبر دايفي وفاراداي في لندن نوعين من الخلايا الكهربائيّة الذين يمثلان وجهي الكيمياء الكهربائيّة – "الخليّة الكيميائيّة الكهربائيّة" و"الخليّة الكهرليّة"
 
في "الخليّة الكهروكيميائيّة"، أي ما بدأ كـ"الخليّة الفولطيّة" عمليًا وتطوّر لاحقًا، يحصل التفاعل الكيميائي بشكل تلقائي ويولّد تيّارًا كهربائيًا. إنّ البطّارية العملاقة التي بناها دايفي والبطّاريّات التي نستخدمها بشكل يومي هي خلايا كيميائيّة كهربائيّة. وإنّ أبسط نوع من هذه الخلايا مكوّن من لوحين صغيرين من المعادن المختلفة – تدعى أقطاب كهربائيّة – موصولين الواحد بالآخر بواسطة سلك موصل ومغمورين في "كهرل" ("إلكتروليت"، في الإنجليزيّة) – أي محلول (أو مركّب سائل) موصل للتيّار الكهربائي.
 
أمّا "الخليّة الكهرليّة" فهي الجهاز العكسي الذي يؤدي إلى تفاعل كيميائي بسبب تدفّق التّيّار. هذه الخليّة مكوّنة هي الأخرى من قطبين يفصل بينهما كهرلٌ، ولكنّهما غير موصولين، إنّما يفصل بينهما مصدر تيّار خارجي. وما هدف الخليّة الكهرليّة؟ يُستعمل هذا الجهاز لتفريق المركّبات إلى عناصرها الأساسيّة كما فعل دايفي عند اكتشافه العناصر الجديدة، أو لفصل الماء إلى الهيدروجين والأوكسجين، وهي طريقة لا تزال مستخدمة اليوم، ولكنّ الاستخدام الأساسي هو تغطية المواد بالذّهب أو الفضّة أو المعادن الأخرى.
 

البطّاريّات أو المدّخرات الكهربائية

عندما نقول خلايا كيميائيّة كهربائية نقصد، عمليًا، بطّاريات. وعندما نقول بطّاريات؟ نكون قد وصلنا عمليًّا إلى الحلبة المنزليّة، إذ إنّنا محاطون بالبطّاريات من كلّ صوب. مع هذا، ما القصد ببطّاريّات أليكيليّة أو بطّاريات الليثيوم أو النيكل-كادميوم؟ البلبلة عظيمة و... لحظة، ماذا عن بطّارية السّيّارة، أهي بطّاريّة كسائر البطّاريّات؟ ليست الأمور واضحة، ولذا سننظّم هذه الفوضى بعض الشّيء:
 
رطب وجافّ:
إنّ البطّاريّات في أيّامنا هذه صغيرة الحجم، سهلة الاستعمال ومغلقة وجافّة. قد يبدو هذا الأمر من المسلّمات، لكن الأمور لم تكن دائمًا على هذا النّحو. في بداية طريقها كانت البطّاريّات رطبة ومعقّدة الاستعمال: بشكل عام، كانت على شكل عبوات زجاجيّة مفتوحة فيها كهرل توجّب تجديده مرارًا، كما كانت تحتاج إلى عناية مستمرّة ولم تصلح للاستعمال اليومي.
 
وكانت التحديثات التي جعلت من البطّاريات أدوات للاستخدام العام سهلة وعبقريّة في آن واحد: أوّلاً، أصبحت الأقطاب تلعب دورًا جديدًا وتحوّلت هي نفسها إلى غلاف للعبوة. فالبطّارية قد تكون مبنيّة من عود من الغرافيت (فحم موصل للكهرباء) في الوسط وحوله إسطوانة من الخارصين، ويشكّل الإثنين معًا العبوة والقطبين. ثانيًا، بدل الكهرل السائل، هنالك، يملأ الفراغ بين القطبين كهرلاً بصورة مرهم أو معجون. هذا هو مبنى معظم البطّاريات المنزليّة في أيّامنا، وليس من الصّعب أن نفهم سبب تسميتها بـ"الخلايا الجافّة". عندما يكون مرهم الكهرل مصنوع من مادّة أسمها هيدروكسيد البوتاسيوم يتحسّن أداء البطّاريّة كثيرًا. وبما أنّ البوتاسيوم هو أحد العناصر التابعة لعائلة "العناصر القلوية" (مثل الصّوديوم والليثيوم وغيرها) تسمّى هذه البطّاريات أيضًا بطّاريات قلوية (أو alkalineبالإنجليزيّة).
 

بطّارية خارصين-فحم: خليّة جافّة

بطّارية منقذة للحياة
هناك الكثيرون حول العالم الذين يدينون بالكثير لبطّارية من نوع آخر، ألا وهي بطّارية الليثيوم. عندما اخترعت أول أجهزة ضبط نبضات القلب أصبحت هناك حاجة لبطارية من نوع جديد – بطّاريات صغيرة ذات درجة مرتفعة جدًا من الدّقّة. وكما هي الحال في العديد من القصص المشابهة، فإنّ عناد شخص واحد لم يتخلّ عن فكرته حتّى وجد من يصغي إليه من صانعي البطّاريات، أدّى إلى إنتاج هذا النّوع الجديد. واتضح أنّ بطارية الليثيوم الصغيرة، وفيها قطب على شكل قرص من الليثيوم، تفي بالغرض. الليثيوم نفسه هو معدن خفيف وموصل جيّد للكهرباء، ولكنّها في الوقت نفسه مادّة مشاكسة وفعّالة جدًا، ولذا فهي خطرة أيضًا وغير مريحة للاستخدام. لكن، منذ أن وُجدت الحلول التكنولوجية (ولم تكن هذه المهمّة سهلة)، وطُوّرت الخلايا الصغيرة على شكل أزرار أصبح استخدامها ينتشر أكثر فأكثر. ونجد اليوم بطاريات بأحجام وأشكال عديدة من عائلة البطّاريات هذه، لكنّ أكثرها تداولاً هو بطّاريّات "الزر" الصغيرة الموجودة في ساعات اليد.
 
إعادة الشّحن
إنّ السّيّئة الأساسيّة للبطّاريات هي كونها أحاديّة الاستعمال. عندما تتوقّف البطّاريّة عن تزويدنا بالطّاقة فإنّنا نرميها بكل بساطة. لكن، في عام 1866 ظهر في فرنسا اختراع جديد: المُدّخر – بطّارية تستطيع ادّخار الطّاقة وهي ملائمة للاستعمال المتكرّر. هذه البطاريات هي عبارة عن مزيج من الخلية الكيميائية الكهربائية والخلية الكهرلية وهي تعمل كأي بطّارية أخرى، ولكنّها قابلة للشحن لتجديد مخرون الطاقة فيها. أوّل المدّخرات كان من الرّصاص وفيه كهرل حامضي، وهذا هو النّوع الذي لا يزال شائعًا اليوم. تستخدم هذه البطّاريات اليوم في السّيّارات.
 
وفي بداية القرن العشرين استطاع أديسون أن يمزج بين خواصّ مدّخر الرّصاص والخليّة القلويّة. فقام باستبدال القطبين والكهرل ورتّب كل المكوّنات في عبوة مغلقة، منتجًا بهذا "بطّاريّة" نيكل-كادميوم القابلة للشحن. ولكنّ هذه "البطّاريات" تخدعنا، فما هي إلاّ مدّخرات عاديّة.
 
وماذا عن المستقبل؟ إنّ خلايا الوقود تهدّد أكثر فأكثر مكانة البطّاريّات والمدّخرات والمخفيّ أعظم.
Date Created: 15/11/12
Date Updated: 15/11/12