Skip to main content
header

الحيوانات تستخدم الكهرباء، أيضًا

لأنّها موجودة.

إذا كانت موجودة، فإنّ الطّبيعة (أو النّشوء والارتقاء الطبيعي) تستخدمه.
 
كي نبقى على قيد الحياة، نحن بحاجة إلى تلقّي المعلومات من بيئتنا. إنّ الضوء يستطيع أن يعطينا معلومات، ولأنّ الضوء يصل إلينا (ضوء الشّمس وضوء النجوم) تطورّت في عمليّة النشوء، على مرّ السّنين، العيون وحاسّة النّظر. ولكن ماذا بصدد الكهرباء؟ كما يبدو، فلا توجد منفعة كبيرة من الكهرباء الساكنة، وبإمكانكم القراءة عن استعمالاتها في المقال الذي عنوانه "محرّك من نوع آخر". ولكنّ للكهرباء المتدفّقة، بالطّبع، استعمالات لا تعدّ ولا تُحصى في التكنولوجيا (تدفئة وإنارة وتشغيل المُحرّكات والحواسيب ونقل المعلومات...) وفي أجسادنا أيضًا، حيث الكهرباء فيها هي لغة الاتّصال بين الأعصاب والعضلات والدّماغ.
 
ولكن هل يوجد في بيئتنا الطبيعية كهرباء متدفقة، وهل نستطيع استخدامها؟ إنّ الظاهرة الطبيعية الأكثر بروزًا لتدفق الكهرباء هي، بدون شك، البرق، ويبدو أنّه يسبّب الضرر أكثر من المنفعة (مع أنّه من الممكن أنّ الإنسان القديم تعلّم استخدام النّار بسبب البرق). إنّ الكهرباء المتدفقة موجودة، أيضًا، في لبّ الكرة الأرضيّة، وهي المسؤولة عن توليد الحقل المغناطيسي للأرض والذي يستخدمه الإنسان والطّير للتوجيه والإبحار (وكان العالم الدنماركي أورستيد قد اكتشف حقيقة كون التيارات الكهربائية تولّد حقولاً مغناطيسيّة في العام 1820). كما أنّ نوعًا معيّنًا من التّيّار الكهربائي هو المسؤول عن إنارة ليالي القطب الشّمالي بالظاهرة المعروفة بأسم الشَّفَق القطبي (أو الأورورا)، وهي ظاهرة لا فائدة عمليّة منها، مع أنّها في غاية الجمال. باستثناء هذه المذكورة أعلاه، لا يوجد في بيئتنا الكثير من "الكهرباء المتدفقة". لذا، على الحيوانات أن تنتج الكهرباء بنفسها، وهذا ما تقوم به، فعلاً! فبعضها يستخدمها للهجوم وبعضها للتوجيه أو للاتّصال، وفي داخل أجسامها تستخدم الحيوانات الكهرباء للتفكير أيضًا وللتواصل مع العضلات وتشغليها (وكان العالم الإيطالي جالفاني هو الذي اكتشف وجود الكهرباء في جسم الحيوان في عام 1780).
 
كل الحيوانات التي تطلق الكهرباء تعيش في الماء، وذلك لأنّ الماء هو مادّة موصلة جيّدة نسبيًا (المياه المالحة أكثر جودة من المياه العذبة)، في حين أنّ الهواء هو مادّة عازلة يسمح بمرور الشحنات عبره فقط بوجود فارق جهد عظيم جدًا، كالذي يحدثه البرق (أو بعض الأجهزة المعروضة في معرض الكهرباء في متحف العلوم). ولأنّ البيئة الداخلية في جسم كل كائن حي تتكون من الماء المالح، فالكثير من العمليات التي تحدث داخل الجسم تستخدم الكهرباء.
 
أكثر أنواع السّمك الباعث للكهرباء انتشارًا هو سمكة الشفنين الكهربائي (الملقّب "طوربيدو") من عائلة أسماك القرش. يتكوّن غذاؤها الأساسي من الأسماك الصغيرة والكائنات البحريّة الأخرى. وتتلخّص طريقة صيده للفريسة بصعقها بالكهرباء، لكي لا تستطيع الهروب، بواسطة توليد فارق جهد كهربائي بمقدار عشرات الفولطات بين الجزء الأمامي والخلفي من جسمه (كالبطّارية). يتدفق تيار كهربائي من جزء السمكة الأمامي ويعبر الماء بدائرة حتّى القسم الخلفي من جسده ليكمل الدائرة الكهربائيّة التي تمرّ، أيضًا، في جسم الفريسة. لماذا لا يصعق هذا التيّار سمكة الشفنين كذلك؟ على ما يبدو، إنّ رأس السّمكة موجود خارج هذه الدائرة الكهربائية، وكذلك فإنّ مبنى جسده يؤدّي إلى مرور التيّار عبر "قنوات" لا تمرّ فيها أيّ أعصاب أو عضلات. إنّ مقارنة الإنسان أيضًا بسمكة الشفنين الكهربائية قد لا تكون ظريفة، لكنّها ليست خطرة على وجه العموم (إلاّ إذا كان هناك شخص لديه جهاز ضبط نبضات قلب اصطناعيّ!).
 

التكلّم والإصغاء

هناك سمكة من نوع آخر، وهي سمكة خرطوم الفيل الموجودة في نيجيريا، تستخدم الكهرباء للتواصل والتوجيه. إنّ شدّة التيار ومقدار الجهد اللازمين لهاتين العمليّتين أقلّ بكثير من تلك اللازمة لصعق فريسة ما، ولذا، إذا استخدمنا المصطلحات التكنولوجية، فنستطيع أن نطلق على هذه السّمكة اسم سمكة "إلكترونيّة" لتمييزها عن سمكة الشفنين "الكهربائيّة".
 
هذه السّمكة تبعث إشارات كهربائية قصيرة وضعيفة، بجهد لا يتعدّى مقداره بضعة فولطات، بضع مرّات في الثّانية الواحدة وبوتيرة ثابتة. ويحتوي جلد هذه السّمكة على مجسّات حسّاسة تستطيع تمييز الجهود الكهربائيّة المرتدّة من الأجسام الموجودة حول السّمكة. وتستطيع السّمكة أن تفسّر الفوارق المحسوسة بدرجة فعالية هذه المجسّات على أنّها إجسام مختلفة، كالصّخور أو الأسماك الأخرى، في بيئتها القريبة وحجم هذه الأجسام وموضعها وحتّى طبعها أحيانًا. إنّ البيئة الطبيعيّة لهذه السّمكة هي المياه العكرة التي تحميها من المفترسات في حين يعطيها رادارها الطبيعي صورة معيّنة عمّا يحيط بها، وإن لم تكن هذه الصّورة دقيقة تمامًا. (قد يذكّرنا ذلك بالقول الشعبي "الأعور وسط العمى سلطان").
 
لا نعرف أيًّا من الاستعمالين سبق الآخر، ولكنّ هذه السّمكة تستطيع أيضًا استخدام نظامها الكهربائي بغرض الاتّصال مع الأسماك الأخرى من النّوع نفسه. فلأنّها تستطيع أن تشعر بالحقل الكهربائي الذي تولّده هي نفسها، فهي تستطيع كذلك أن تحس بحقول كهربائية تولدّها أسماك أخرى. وإذا أدخلنا سمكتين من هذا النّوع إلى حوض، فسنرى بوضوح كيف أنّهما تشرعان مباشرة بما يبدو بوضوح كما لو أنّه "محادثة" – وفق التغييرات في وتيرة الإشارات الكهربائيّة. ومع أنّنا لا ندري (بعد) ما هو فحوى هذه المكالمات، إلا أنه بات من الواضح أنّ هذّه الأسماك تقوم بإرسال إشارات الواحدة إلى الأخرى.
 

أداة إنذار تلقائيّة للتلويث

إنّ نمط الإشارات الكهربائية المنبعثة عن هذه الأسماك هو ذو حسّاسيّة عالية لوضع المياه، وأيّ تلويث بسيط في الماء يؤدّي إلى تغيير هذه الأنماط. ويتّضح أنّ السّمكة حسّاسة جدًا للملوّثات وتستجيب بسرعة هائلة تفوق سرعة أي جهاز تكنولوجي آخر (وهي ذات تكلفة أقلّ بكثير، أيضًا!). لذا، تستخدم شركة "ميكوروت" القطريّة للمياه في إسرائيل هذه الأسماك، منذ بضع سنوات، لمراقبة جودة المياه وللحصول على إنذار مسبّق لأيّ مشكلة قد تطرأ. في حوض الأسماك هناك مجسّ موصول بحاسوب صغير يطلق إنذارًا لدى حدوث أي تغييرات في أنماط إشارات تلك الأسماك.
 

كيف تولّد الأسماك الكهرباء؟

لقد ذكرنا مُسبقًا أنّ لغة التّواصل في الجهاز العصبيّ لدى الحيوانات هي الكهرباء. إنّ الكهرباء التي تستخدمها الأسماك للهجوم أو الإبحار أو الاتصال يتمّ توليدها بنفس طريقة إنتاج الكهرباء المستخدمة في الجهاز العصبي. الفارق الأساسي بين الأمرين هو أنّه لدى هذه الأسماك خلايا تولّد الكهرباء أكبر حجمًا من الخلايا العصبيّة وهي مرتّبة "على التّوالي" لإنتاج جهود أعلى. أي بما معناه أنّ هذه الخلايا مرتّبة "رأسًا بجانب ذيل"، بحيث أنّ حاصل الجهد الناتج عن nخلايا أكبر بـnأضعاف من الجهد الناتج عن خلية واحدة. لكن، من أين تأتي هذه الكهرباء؟ في الأجهزة التكنولوجية، فإنّ غالبيّة الكهرباء تنتجها مولّدات كهربائية تحتوي على أسلاك موصلة تتحرّك في حقول مغناطيسيّة (وكان العالم الإنجليزي فاراداي هو الذي اخترع المولّد والمحرّكات الكهربائية في عام 1831). أمّا الكائنات الحيّة فليس بمقدورها توليد حقول مغناطيسيّة، أي أنّها لا تستطيع إنتاج الكهرباء بهذه الطّريقة. لكنّ هناك طريقة أخرى، كيميائيّة، لتوليد الكهرباء، مثلما يحدث في البطّاريّة (التي اخترعها العالم الإيطالي فولطا في عام 1800). هذه الطريقة تعتمد على الجهود الكيميائية الكهربائية المختلفة بين معدن وآخر لأجل تحريك الأيونات (وهي ذرّات مشحونة) في محلول ما من قطب كهربائي إلى آخر، منتجة بهذا تيّارًا كهربائيًا. لكن، في أجسام الكائنات الحيّة ليس هناك أيّ أقطاب معدنيّة نستطيع استخدامها لبناء بطّاريات (هناك، بالطّبع، ذرّات حديد وذرّات معادن أخرى في أجسادنا، ولكنّها لا تجتمع لتكوّن جسمًا معدنيًا صلبًا). كان على الطبيعة، إذًا، أن تبتكر طريقة أخرى لتوليد الكهرباء؛ وهذا ما حصل، فنجد في الطّبيعة آليّة فائقة النجاعة لم تستطع التكنولوجيا بعد أن تُحاكيها.
 
تعتمد هذه الطّريقة على ما يسّمى بـ"المضخّات الأيونيّة"، وهي عبارة عن جزيئات كبيرة ومميّزة جدًا موجودة في أغشية جميع الخلايا، وظيفتها الوحيدة هي نقل الأيونات من جهة إلى أخرى بالنّسبة لغشاء الخلية، أي، مثلاً، من داخل الخليّة إلى خارجها. أمّا الطّاقة اللازمة لعمليّة الضخّ تلك فتأتي من مخزون الطّاقة الأساسيّ في الجسم، وهو جزيء يدعى ATP. إنّ المصدر الأوّلي لهذه الطّاقة هو، بالطّبع، الغذاء الذي نتناوله.
 

بطاريّات أيونيّة

هذه المضخّات تنقل أيونات موجبة، بشكل عام أيونات الصوديوم، من داخل الخليّة إلى خارجها، مولّدةً بهذا فارقًا في التراكيز والكمون بين الجهتين وتحافظ عليه لفترة طويلة.
 
عندما تقرّر السّمكة أن تبعث إشارة كهربائيّة، فإنّ دماغها يبعث إشارة عصبيّة لكل الخلايا الكهربائيّة في الوقت نفسه. هذه الإشارات الأخيرة تؤدّي إلى فتح "قنوات" في أغشية الخلايا لتتدفّق عبرها أيونات الصّوديوم لتعود إلى داخل الخليّة لفترة قصيرة. وإنّ هذا التّيّار القويّ الذي يمرّ في العديد من الخلايا هو نفسه الإشارة الكهربائية التي تطلقها السّمكة. بعد امتلاء الخلايا بأيونات الصّوديوم، يتوقّف التّيّار الكهربائي وتُغلق القنوات مجدّدًا، في حين تستمر المضخّات في إعادة أيونات الصّوديوم إلى خارج الخليّة واستعادة الفارق في الكمون.
 

الإشارات العصبية في داخل الجسم

إنّ حركة الأيونات في السّوائل هي المسؤولة عن نقل الإشارات الكهربائية في الألياف العصبية لدى كل الكائنات الحيّة التي تملك جهازًا عصبيًا، وليست حركات الإلكترونات في المعادن الموصلة. لكنّ هذه الطريقة أقلّ نجاعة بكثير، ولذا يتوجّب تضخيم الإشارات بتسلسل لدى مرورها في المسارات العصبيّة. ويتمّ هذا الأمر بنفس طريقة توليد السّمكة الكهربائية للكهرباء. فمضخّات الأيونات تحافظ على فرق بين تراكيز أيونات الصّوديوم داخل الخلية وخارجها، وعندما تقترب الإشارة الكهربائية يفتح كمونها الصغير القنوات الأيونيّة، فتؤدي إلى تيّار من الأيونات الذي يقوم بتضخيم الإشارة ونقلها.
 
وتقضي الفرضيّة السّائدة بأنّ الإشارة العصبيّة هي التي تطورّت أوّلاً خلال عملية النّشوء، ثمّ استخدِم هذا المبدأ في تطبيقات أخرى.
 

إنّ الطبيعة فعلاٌ بالغة البراعة!

Date Created: 15/11/12
Date Updated: 15/11/12