Skip to main content
header

الشبكة الذّكيّة - مقالات

مقال بقلم الدكتور أمير بن شَلوم

تهدف الشبكة الذكية (Smart Grid) إلى جعل استخدام الشبكة الكهربائيّة أكثر نجاعة.

للتذكير – إنّ التّيار الكهربائي (أو الطاقة الكهربائيّة) هو "وسيط" ينقل الطّاقة من مصدرها (محطّة توليد الطاقة الكهربائية، مثلاً) إلى المستهلكين. ليس مصدر الطاقة هو التيّار نفسه إنّما الطاقة الكيميائيّة المجودة في الوقود أو الطاقة النووية الكامنة في عيدان الأورانيوم أو الضوء الذي يصبّ إلى الخلايا الشّمسيّة أو شلالات المياه أو الرياح وما إلى ذلك.
 
إنّ فوائد استخدام الكهرباء كوسيط / ناقل للطاقة تكمن في إمكانيّة نقلها بنجاعة وبسرعة وبسهولة (بواسطة موصلات دقيقة نسبيًا) إلى مسافات بعيدة وتحويلها مجدّدًا لتصبح على هيئة الطاقة المطلوبة (حرارية أو حركية أو ضوئية).
 
ولكنّ النقيصة الكامنة في استخدام الكهرباء هي صعوبة خزنها بشكل فعّال، خاصة إذا كنّا نتحدّث عن كميّات طاقة هائلة كتلك الموجودة على المستوى القطريّ. إنّ الطريقة الشّائعة لخزن الطاقة الكهربائيّة هي عن طريق البطّاريات القابلة للشّحن ولكنها ثقيلة وباهظة وتتلف سريعًا، كما أنّها تحتوي على موادّ سامّة (وتنتج بهذا مشكلة أخرى، وهي طرق التخلّص منها) وتحتاج إلى تحويل الجهد من جهد متردّد إلى جهد مستمرّ (وبالعكس). ما نعنيه بقولنا بشأن صعوبة خزن الطاقة الكهربائية هو أنّ على شبكة الكهرباء أن تزوّد المستهلكين بكميّة الطاقة الدقيقة التي تَلزَمهم لحظةً بلحظٍة.
 
إذا كان مصدر الطّاقة هو محطّات الطّاقة لحرق الوقود، فمن الممكن ضبط حرق الوقود وتوليد الكهرباء. لكن، إذا أردنا (ونحن نريد بالطّبع) أن نستخدم مصادر طاقة متجدّدة أو خضراء (كالخلايا الشمسيّة أو الرياح أو حركة أمواج البحر وما شابه)، فإنّنا سنجابه مشكلة حقيقيّة. فمصادر الطّاقة هذه تستطيع تزويدنا بالكهرباء في فترات محدّدة فقط (الخلايا الشّمسية في الأيّام المشمسة وعنفات الرياح عندما تهبّ الرياح، إلى آخره)، وهي قد لا تتلاءم مع أوقات استهلاك الكهرباء.
 
وبالإضافة، علينا وضع مصادر الطاقة المتجدّدة هذه في الأماكن المناسبة بحسب الحالة المناخيّة والطوبوغرافيا والتي قد لا تلائم معطيات الكثافة السكانية ومناطق استهلاك الكهرباء (فقد نضع الخلايا الشّمسيّة في النّقب وعنفات الرّياح في الجبال في الشّمال في حين أنّ الكثافة السكانية القصوى هي في مركز البلاد).
 
أضف إلى ذلك أنّ هناك مشكلة أساسيّة تتعلّق بنظام استهلاك الكهرباء. فعلى شبكة الكهرباء أن تتمكّن من التعامل مع الاستهلاك الأقصى للكهرباء، أي أنّه على جميع أجزاء الشبكة (الموصلات والمحوّلات ومنظومات التبديل) أن تكون قادرة على تمرير التّيار الكهربائي الأقصى المطلوب من قبل كل المستهلكين، حتّى وإن كانت هذه الكميّة القصوى مطلوبة فقط لفترات قصيرة جدًا (أقصى الحر في الصيف / أقصى البرد في الشتاء، عندما تشغَّل المكيّفات أو أجهزة التدفئة في جميع البيوت). من جهة أخرى، فإذا كان استهلاك الكهرباء منخفضًا نسبيًا – عدا عن فترات الذروة تلك – فإنّنا لا نكون قد استغللنا الشبكة الكهربائية بشكل فعّال معظم الوقت. أي أنّنا بحاجة إلى إنشاء شبكة كهربائية باهظة الثّمن ونحن لا نستغلها بشكل تامّ، وهذا يعني أنه من الصعب استرجاع المال الذي تمّ استثماره في الشّبكة. لهذا السّبب، تحاول شركة الكهرباء موازنة الأمور (تقليل الاستهلاك الأقصى ليقترب إلى معدّل الاستهلاك) بواسطة الشرح والتفسير للمستهلكين، وكذلك بواسطة تكلفة ماليّة مختلفة بحسب أيّام وساعات الاستهلاك.
 
تحتوي شبكة الكهرباء الذّكيّة على منظومات تستطيع دمج الطّاقة الآتية من مصادر مختلفة، وتوجيه التيار الكهربائي بنجاعة بين كل نقطتين، بحيث يحصل كل مستهلك على كمية الكهرباء اللازمة، وبحيث تُستَغل مصادر الطّاقة بصورة ناجعة اقتصاديًا مع الحفاظ على مصداقية الشّبكة وعلى نسبة إخفاقات منخفضة قدر الإمكان.
 
وتحتوي هذه المنظومات على عدّادات كهرباء ثنائية الاتجاه تسمح للمستهلكين بأن يزوّدوا الشّبكة بالكهرباء (إن أمكن ذلك، كالأشخاص الذين يمتلكون خلايا شمسيّة) وعلى أجهزة تحكّم وتوجيه ذكيّة تستطيع وصل عدد من الشّبكات معًا لتكوين شبكة كبيرة (غالبًا ما تكون فعاليتها أكبر) وعلى أجهزة تنبيه في حال ارتفع احتمال حدوث عطل أو عطب وغيرها.
 
وإن كان التوجه، في أيّامنا هذه، يعتمد على استغلال موارد الطاقة المتجددة أكثر فأكثر، فإنّ جهودًا كثيرة تستثمر، في المقابل، لتطوير وتحسين شبكات الكهرباء الذّكيّة. وتشمل هذه الجهود الأبحاث العلميّة في مجالات عدّة (نماذج رياضيّة من علم الشّبكات والخوارزميّات لإيجاد الحلول المثلى، وبروتوكولات وكود ذات مصداقيّة عالية)، بالتّزامن مع التطورات الهندسيّة (أجهزة القياس والتّحكّم والموصلات والمحوّلات ومكوّنات التّبديل والقواطع).
 

مقال من شركة الكهرباء في إسرائيل

 
إنّ مصطلح "الشبكة الذكية" في العربية قد يكون أنجح من المصطلح المناظر له في الإنجليزيّة: Smart Grid. ففي الإنجليزيّة هناك فرق بين Grid، أي شبكة الكهرباء، وبين Net، أي شبكة الإنترنت أو الشّبكة المحوسبة. أمّا مصطلح الشّبكة الذّكية فيتطرّق، عمليًّا، إلى الدمج بين الاثنتين.
 
إنّ الشّبكة الذّكيّة هي نزعة عالميّة تحتلّ أسواق الطاقة العالميّة بسرعة، مع العلم أنّ سوق الطاقة لم يتغيّر تقريبًا خلال القرن الماضي، بخلاف أسواق الهواتف والطيران أو الحوسبة، على سبيل المثال.
 
وهنا يكمن دور الشّبكة الذّكيّة، وهي تمثل طريقة جديدة وثورية للتعامل مع الطاقة، إذ إنّها تحوّل كل أجزاء الشّبكة الكهربائيّة – ابتداء من الأجهزة الكهربائية المنزلية لدى المستخدم وحتّى محطّات توليد الطّاقة نفسها – إلى شبكة واحدة تفاعلية ومتطوّرة. قد لا يسهل فهم هذه الطريقة الجديدة، لذا التقينا بـ"آشر داهان"، رئيس لجنة توجيه الشركة في هذا المجال، لنحصل على بعض التّوضيحات.

 
يقول داهان، تخيّلوا لو أنّ بحوزتكم شاشة إلكترونيّة منزليّة تستقبل الإرسالات من المجسّات الموجودة في المنزل وتستقبل المعلومات عن تسعيرة الكهرباء في الأوقات المختلفة خلال اليوم.. وإلى آخره، والتي تستطيع أن تدير استهلاك الكهرباء المنزلي بفعاليّة. ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل سوف يكون بإمكان شركة الكهرباء أن تقوم – وفق الاتفاقات المعقودة – بإطفاء الأجهزة المنزليّة التي تستهلك الكهرباء بكثرة لدى المستهلكين، والتي لا يؤثر إطفاؤها على استمرار الحياة العاديّة (كالغسّالات أو النّشافات) في حال وجود نقص في الكهرباء، لتفادي انقطاع الكهرباء عن الأجهزة أو المواضع المهمّة: كالمصاعد أو أجهزة الإنعاش أو التّنفس الاصطناعي وما شابه. حتّى إنّ بعض الأجهزة الخاصّة قد تسمح باستخدام السيّارة الموجودة في ساحة المنزل لتزويد البيت بالطّاقة الكهربائيّة في حال حدوث انقطاع أو نقص في الكهرباء.
 
يشير مجرى سوق الكهرباء المستقبلي إلى الاستهلاك المتزايد للكهرباء إلى جانب تضاؤل مصادر الطّاقة من جهة، والرّغبة في المحافظة على البيئة وعلى الهواء النقي، من جهة أخرى. تهدف الشّبكة الذكيّة إلى تقديم حلّ لهذه المشكلة.
 
إنّ التحدّيات المستقبليّة لشبكة الكهرباء ستكون في مجال تطوير القدرة على إدارة ملفات طاقة متنوّعة ومتزنة فيما بينها، وفي إدارة الطلب بالتّزامن مع إدارة قدرة الإنتاج بواسطة الشّبكة الذّكيّة.
 
المقولة الشّائعة اليوم هي أنّ الكهرباء النقيّة هي تلك التي لم تنتج بعد، وتقوم بعض الولايات في الولايات المتّحدة بمكافأة شركات الكهرباء على توفيرها كلّ كيلوواط للساعة.
 
ويقول داهان إنّه في سان فرانسيسكو، مثلاً، أقامت شركات الكهرباء المعنية بهذه المكافآت مركزًا ضخمًا للزوّار، وفي إمكان المستهلكين فيه الحصول على نصائح مجانية بشأن طرق استهلاك الكهرباء بصورة أكثر نجاعة.
 
وتحاول الشّبكة الذكية، أيضًا، مواجهة تحدّيات توفير الكهرباء وجعل الاسهتلاك أكثر فعاليّة وتقليص الحاجة إلى بناء وسائل إنتاج جديدة قدر الإمكان. فحسب أقول داهان، إنّ التوجّه الحالي هو نحو إضافة وسائل اتصال عن بعد ووسائل حوسبة ومجسّات ونقل معلومات إلى الشّبكة الحاليّة بهدف جعلها أكثر مرونة ونجاعة وأمانًا.
 
هل يبدو الأمر صعبًا؟ أجل، إنّه فعلاً كذلك، وإنّه باهظٌ، أيضًا. فحجم الاستثمار المطلوب لتطوير هذه الخطّة في البلاد هو نحو مليار دولار في السنوات الثماني الآتية.
 
مع ذلك، فقد تمّ وضع هذا الموضوع على رأس سلّم أولويّات الشّركة، إذ يعتبره مدير الشّركة من أهمّ أهداف الشّركة لهذه السّنة وللسّنوات الآتية. لهذا السّبب، أقيمت لجنة توجيه برئاسة آشر داهان، الذي قام بدوره بإنشاء هيئة إداريّة برئاسة الدكتور كوبي ياهف، من لواء الجنوب، وقد بدأت الأعمال لإنشاء البنى التحتيّة اللازمة لإقامة الشّبكة الذّكيّة في شركة الكهرباء. "لقد شاركنا سُلطة الكهرباء ووزارة البنى التحتيّة بالموضوع. فمن دون الدعم الحكومي، ومن دون اعتراف السّلطة بالنفقات الحتميّة، سيكون من الصعوبة بمكان السير قدمًا في هذا المشروع"، يوضّح داهان.
 
ولأنّ هذا المشروع لا يزال في مراحله الأولى، حيث تتمّ دراسته وفحصه في كافة أنحاء العالم، فليس هناك بعدُ أيّ نموذج قائم يعمل ليصبح في الإمكان نسخه إلى البلاد. بل يتضّح أنّ وضع شركة الكهرباء هنا جيّد مقارنة مع أماكن أخرى في العالم، لأنّ بحوزتها اليوم أجهزة متقدّمة تسمح لها بتشغيل شبكة الكهرباء الذكيّة بشكل أكثر سلاسة (ولمَن يفقه في هذه الأمور، نضيف الأسماء التالية: NISوDMSوCRMوغيرها).
 
ومن الأهداف التي وضعها طاقم المشروع لنفسه: مشاركة الزبائن بشكل فعّال في إدارة نظام الكهرباء ودمج مصادر الطاقة المتجدّدة وتطوير رزمة جديدة من المنتجات الخدماتيّة والتسويقيّة وتحسين نظام الكهرباء على مستوى نجاعة التشغيل والطاقة وأخيرًا وليس آخرًا، بل ربّما أهمّها: رفع درجة مصداقيّة وجودة تزويد الكهرباء. ويأتي كل هذا بالتّزامن مع ضمان استمراريّة عمل مجمل المنظومة وصمودها أمام أيّ اعتداءات (أي: حماية المعلومات).
 
إنّ أحد الأهداف المركزيّة لإقامة الشّبكة الذّكية هو "تسوية دالّة الاستهلاك" – أي تفادي حدوث أيّة ذروات في الاستهلاك والتي تستلزم بناء محطّات طاقة جديدة. فمن المهمّ أن نفهم أنّ شبكة الكهرباء الحالية مخطّطة كي تستطيع تزويد الكهرباء في الفترات التي يكون فيها الاستهلاك في ذروته. هناك وحدات توليد تعمل فقط مرّة كلّ شهر أو كلّ شهرين أو كل نصف سنة، أي فقط في فترات الذروة، في حين أنّ معدّل الاستهلاك هو أقلّ من ذلك بكثير. لذا، فإنّ تسوية دالة الاستهلاك تعني عددًا أقلّ من محطّات الطاقة.
 
في تحليل أجري لنمط استهلاك الكهرباء في البلاد، اتّضح أنّ الزبائن المنزليين يستهلكون %30 من الكهرباء. في أوقات الطلب الأقصى على الكهرباء، بإمكان هذه النسبة المئويّة أن تساهم بشكل جذريّ في "تسوية الدالّة". فقد يؤدّي استخدام أدوات آليّة لإدارة العبء إلى توفير مقداره %10 من كمية استهلاك الكهرباء في فترات الذروة.
 
كما يذكر داهان بعض التحسينات التي ستجلبها الشّبكة الذكيّة للزبون الفرد. فإنّها تمكّننا، على سبيل المثال، من أن نكتشف انقطاعًا للكهرباء لدى كل زبون على حدة، وليس فقط على مستوى الشّارع أو المنطقة. وإذا قام أحد الزبائن بالاتّصال بنا، فسنكون قادرين على التعرّف إليه فورًا، وسيستطيع العامل الهاتفيّ أن يحصل بسرعة على صورة واضحة لنمط اسهتلاكه المنزليّ.
 
وهذا الأمر ينطبق على العدّادات كذلك: فسوف نستطيع أن نرى عدّاد كلّ زبون في كلّ لحظة، وليس في فحوصات دوريّة فحسب.
 
كما نستطيع أن نحفّز الزبائن على تشغيل أجهزتهم ليلاً بواسطة أجهزة تحكّم عن بُعد: فيستطيع الزّبون الجالس في المسرح، على سبيل المثال، أن يشغّل الغسّالة من موقعه بواسطة جهاز تحكّم عن بُعد. وهناك العديد من الأفكار الأخرى المُمكنة لدى مُطوّري الشّبكة المُبدعين.
 
حاليًّا، يقول داهان إنّ شبكة الكهرباء ملتزمة بهذا المشروع، وعلينا اتّخاذ خطوات وقرارات مع السُّلطة، بمشاركة وزارة البنى التّحتيّة.
 
فنحن نعتزم أن نجرّب هذه الشبكة في قرية ما يقطنها بين 2000 و2500 زبون (مستهلك) وتحويلها إلى "قرية ذكيّة". كما سننشئ مركزًا للزوّار في أحد المكاتب المحليّة للشركة، أو في حفتسيبا، حيث سنقوم بعرض نموذج تجسيديّ عن هذه الشّبكة نستطيع بواسطته أن نلمس نجاعة المنظومة وتكلفتها المتوقّعة، لنقنع بذلك متخذي القرارات في الدّولة بدعم المشروع.


عودة إلى الصفحة الرئيسية ل "ضد التيّار"

لقراءة إضافية

 لصفحة أفق أخضر الذي يتعامل مع الطاقة الخضراء/المتجدّدة

وبخاصّة مقال البروفيسور جادي جولان عن الشبكة الذّكية.

Date Created: 17/11/12
Date Updated: 17/11/12